بعد سنوات من التهجير القسري التي أعقبت مجزرة عام 2012 وما تلاها من عمليات عسكرية عنيفة، بدأت مئات العائلات العودة تدريجيا إلى حي تشرين الدمشقي، محاولة استعادة ما تبقى من حياتها وذكرياتها. إلا أن العائدين لم يجدوا مجرد حي مدمر، بل واقعا أكثر قسوة؛ منازل مهدمة، وخدمات شبه معدومة، وملفات ملكية معقدة تهدد آلاف السكان بفقدان بيوتهم نهائيا.
وبحسب تقديرات لجنة حي تشرين، يقطن الحي اليوم ما بين 15 و17 ألف نسمة، موزعين على نحو 100 عقار كانت بمعظمها أراضي زراعية تحولت خلال السنوات الماضية إلى كتل سكنية. إلا أن أكثر من نصف السكان تقريبا، أي ما يزيد على 7 آلاف شخص، يواجهون خطر فقدان ملكياتهم نتيجة ما يصفه الأهالي بـ”الاستلاب العقاري المنهجي”، في وقت تعيش فيه عائلات أخرى داخل غرف غير مكتملة أو أبنية متصدعة أو حتى خيام مؤقتة بين الأنقاض.
ملكيات مفقودة وبيوع متكررة
قال مصدر في لجنة الحي لسوريا 24 إن نسبة الدمار في تشرين تتراوح بين 70 و85 بالمئة، موضحا أن نحو 6 آلاف منزل تعرض للهدم الكلي أو الجزئي، بينما فقد قرابة نصف هذه المنازل ملكياته عبر عمليات بيع متكررة ووثائق جرى تنظيمها أثناء غياب أصحاب العقارات الأصليين.
وبحسب المصدر، فإن معظم عمليات الشراء التي جرت بين عامي 2005 و2011 اعتمدت على “وكالات عدل غير قابلة للعزل” دون تثبيت نهائي في السجل العقاري، وهو ما فتح الباب لاحقا أمام ورثة المالكين الأصليين أو سماسرة مرتبطين بهم لإعادة بيع العقارات ذاتها خلال فترة تهجير السكان بين عامي 2018 و2022، لتنتقل الملكيات إلى تجار وسماسرة وشخصيات نافذة، قبل أن تتعرض أبنية كاملة للهدم وبيع حديدها خردة لمعامل الصهر.
يقول آدم الشامي، أحد سكان حي تشرين، إن الحي شهد أربع مجازر خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، رافقتها عمليات حرق واسعة لمنازل المدنيين، لا سيما في مناطق شارع التهريب وسوق الخياطين، ما تسبب بدمار كبير ونزوح جماعي للسكان. ويضيف أن كثيرا من العائلات عادت اليوم لتجد منازلها مهدمة أو متضررة بشكل بالغ، فيما ما تزال آثار الحرائق والدمار حاضرة في أجزاء واسعة من الحي.
ويشير الشامي إلى أن حي تشرين كان يضم اثنين من أبرز الأسواق الشعبية في أطراف دمشق، أولهما سوق الأدوات الكهربائية الذي كان مقصدا لمعظم أهالي دمشق وريفها بسبب أسعاره وتنوع بضائعه في ظل تراجع جودة الصناعة المحلية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى سوق الخياطين الذي كان يشكل مركزا مهما للمهن اليدوية، وكان غالبية العاملين فيه من السوريين الكرد، قبل أن تتعرض تلك الأسواق للتدمير والتوقف الكامل خلال سنوات الحرب.
إيجارات مرتفعة وسط غياب الخدمات
يقول سلطان رحمة، ناشط إعلامي من سكان الحي، لسوريا 24: “رغم الدمار الواسع وانهيار البنية التحتية، تشهد الإيجارات في الحي ارتفاعا كبيرا مقارنة بواقع المنطقة”. ووفق لجنة الحي، يتراوح إيجار شقة صغيرة شبه مرممة بين 200 و350 دولارا شهريا، مع اشتراط دفع إيجار عام كامل مقدما بالدولار الأميركي.
ويضيف السكان أن كثيرا من المالكين يفرضون هذه الشروط بهدف تمويل ترميم منازلهم، من دون تقديم أي ضمانات للمستأجرين بشأن تجديد العقود أو استقرار السكن.
ويرى معظم السكان أن القضية تجاوزت الخلافات العقارية المعتادة، لتتحول إلى أزمة تهدد وجودهم وحقهم في العودة والاستقرار.
هذا الواقع دفع بعض العائلات إلى اللجوء إلى خيارات قاسية، بينها السكن داخل مستودعات أو محال مهجورة، أو الاكتفاء بترميم أجزاء بسيطة من أبنية مهددة بالسقوط، فيما تحولت خزانات بلاستيكية كبيرة في بعض الحالات إلى غرف سكنية مؤقتة.
خدمات منهارة ومعاناة يومية
الخدمات الأساسية في حي تشرين ما تزال شبه غائبة، ما يجعل الحياة اليومية للسكان معركة مستمرة، وفق وصف الأهالي.
فشبكات الصرف الصحي المتهالكة تتسبب بشكل متكرر باختلاط مياه الشرب بالمجاري، وسط تسجيل حالات تسمم خلال العامين الماضيين، في حين شهدت بعض الحارات في نيسان/أبريل 2026 طفحا للمياه السوداء داخل المنازل.
أما الكهرباء، فلا تزال تعاني انقطاعات طويلة رغم وعود متكررة بتركيب محولات جديدة ورفع استطاعة بعضها، بينما يعتمد كثير من السكان على حلول مؤقتة وشبكات بدائية.
كما أدى احتراق مقسم القابون في آذار/مارس 2026 إلى انقطاع خدمات الهاتف والإنترنت عن الحي لأسابيع، بالتزامن مع تراكم القمامة والأنقاض في الشوارع نتيجة ضعف خدمات النظافة.
لجنة أهلية تحاول سد الفراغ
في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي، برزت لجنة حي تشرين كجهة أهلية تطوعية تتابع شؤون السكان وتحاول التنسيق مع الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية.
وتقول اللجنة إنها تمكنت خلال الأشهر الماضية من توثيق أوضاع آلاف السكان والعقارات المتضررة، إضافة إلى الضغط لتحسين واقع الكهرباء وتأمين بعض صناديق التوزيع، والتنسيق مع فرق الدفاع المدني والهلال الأحمر لتنفيذ أعمال إزالة ركام وجلسات دعم نفسي.
كما تتابع اللجنة ملفات الملكيات والبيوع المزدوجة أمام الجهات المعنية، إلا أن أعضاءها يؤكدون أن ضعف الإمكانيات وتعقيد الإجراءات الرسمية يعرقلان الوصول إلى حلول حقيقية.
مخاوف من إعادة الإعمار
وتزايدت مخاوف الأهالي بعد اجتماعات عقدتها محافظة دمشق مع لجان أحياء مجاورة لبحث مشاريع إعادة الإعمار، تضمنت مقترحات تعتمد على الاستثمار عبر شركات خاصة مقابل حصول تلك الشركات على نسب من المساحات المبنية.
ويخشى سكان تشرين أن تؤدي هذه المشاريع إلى خسارة جزء كبير من ممتلكاتهم، خصوصا أن غالبية عقارات الحي قائمة على “طابو زراعي” أو وكالات غير مثبتة رسميا، ما قد يضعهم في موقع أضعف مقارنة بأصحاب الملكيات النظامية.
ويقول محمد سيف، أحد أهالي الحي الذين تحدثنا إليهم، إنهم يخشون أن تتحول إعادة الإعمار إلى مسار جديد يؤدي إلى إقصائهم عن الحي بعد سنوات من التهجير والدمار.
حي يحاول استعادة حياته
عرف حي تشرين لسنوات طويلة بتنوعه الاجتماعي، إذ استقر فيه سكان قدموا من مناطق سورية مختلفة، بينها القلمون وإدلب وحماة وحلب ودمشق. لكن الحرب غيرت ملامحه بالكامل، بعدما تعرض لعمليات عسكرية واسعة أعقبها نزوح جماعي ودمار كبير.
واليوم، يحاول العائدون إلى الحي مواجهة ثلاث معارك متوازية: إعادة ترميم منازلهم، واستعادة حقوقهم العقارية، والحفاظ على وجودهم في منطقة يخشون أن تتغير هويتها مع مشاريع التنظيم والاستثمار المقبلة.


