من مبنى قديم إلى الفضاء الرقمي… «الجماهير» الحلبية تحاول استعادة صوتها

حجم الخط

في مبنى قديم في منطقة العبارة بمدينة حلب، تحاول صحيفة الجماهير، إحدى أقدم الصحف المحلية في سوريا، استعادة مكانتها بعد سنوات الحرب والتراجع الذي أصاب الإعلام الورقي في البلاد. خلف الجدران التي أنهكتها السنوات، يعمل صحفيون شباب إلى جانب أسماء مهنية مخضرمة لإعادة إحياء صحيفة رافقت الحياة اليومية للحلبيين لعقود، وشكّلت جزءًا من الذاكرة السياسية والاجتماعية والثقافية للمدينة.

يقول جهاد جمّال، رئيس تحرير الصحيفة الصادرة عن مؤسسة الوحدة، إن «الجماهير» بدأت تدريجيًا تستعيد حضورها بعد مرحلة التحرير، عبر إعادة تفعيل العمل الصحفي وضخ كوادر جديدة في غرفة الأخبار. ويوضح أن فريق التحرير الحالي يضم تسعة محررين وأربعة متعاقدين، بينما تعتمد التغطيات الميدانية على شبكة من المراسلين المكلّفين من قبل دائرة المراسلين التابعة للمؤسسة.

وبحسب جمّال، تنشر الصحيفة يوميًا أكثر من مئة مادة صحفية عبر منصاتها الرقمية ومعرّفاتها الرسمية، تشمل الأخبار المحلية والتقارير والمتابعات الميدانية، في محاولة لمواكبة الأحداث المتسارعة وتغطية الملفات الخدمية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى شكاوى السكان في حلب وريفها، وصولًا إلى إدلب وريفها.

ورغم محاولات تطوير العمل الصحفي، لا تزال المؤسسة تواجه تحديات مالية كبيرة. ويشير جمّال إلى أن إدارة التحرير تسعى إلى استقطاب كتّاب وصحفيين جدد لتوسيع المحتوى وتطوير الأداء المهني، إلا أن ضعف السيولة والإمكانات المتاحة يحدّ من القدرة على توسيع الكادر أو تأمين المستلزمات التقنية والمهنية التي تتطلبها الصحافة الحديثة.

وفي تقييمه لواقع الحريات الإعلامية، يرى رئيس التحرير أن هامش الحرية المتاح اليوم بات أوسع مقارنة بالمراحل السابقة، مؤكدًا أن التدخل المباشر من قبل الجهات الرسمية أو المحافظة في عمل الصحيفة تراجع بشكل كبير عما كان عليه قبل التحرير. لكنه في المقابل ينتقد ما يصفه بـ«البيروقراطية الإدارية» التي ما تزال تتحكم بالعلاقة بين الصحفيين والمؤسسات الرسمية.

ويقول إن حصر التصريحات الرسمية برؤساء المكاتب الإعلامية خلق حالة من البطء والجمود في الوصول إلى المعلومات، مضيفًا أن «الروتين الإداري بات مرهقًا للعمل الإعلامي المحلي، الذي يحتاج بطبيعته إلى السرعة والمرونة في نقل الخبر». ويدعو إلى منح الصحفيين الحاصلين على بطاقات مهنية وتصاريح رسمية من وزارة الإعلام مساحة أوسع للوصول إلى المصادر، بعيدًا عن القيود التي تحدّ من حرية التغطية.

في المقابل، تبدو عودة النسخة الورقية أقرب من أي وقت مضى. فالمطبعة، بحسب جمّال، أصبحت شبه جاهزة من الناحية الفنية، ولم تعد تحتاج سوى إلى بعض أعمال الصيانة قبل إعادة تشغيلها، مع توقعات بعودة الطباعة مطلع العام المقبل.

ويختتم رئيس التحرير حديثه بالتعبير عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا أكبر في هامش الحريات الإعلامية داخل سوريا، وأن ينعكس التحسن في مؤشرات حرية الصحافة على واقع الصحفيين العاملين في الداخل، بما يتيح بيئة مهنية أكثر استقلالية وقدرة على أداء دورها الرقابي والإخباري.

وتُعدّ صحيفة «الجماهير» واحدة من أعرق الصحف المحلية السورية، إذ تأسست عام 1965 عقب دمج صحيفتي «الوطن» و«الشباب» ضمن المرسوم التشريعي الناظم لعمل مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، ليصدر عددها الأول في الأول من آذار/مارس من العام نفسه.

وعلى مدى عقود، تعاقب على رئاسة تحرير الصحيفة عدد من أبرز الصحفيين والإعلاميين في حلب، من بينهم الصحفي أحمد نجّار، الذي شهدت الصحيفة خلال فترة إدارته نشاطًا صحفيًا واسعًا وتوسعًا في التحقيقات والملفات الخدمية، قبل أن تتم إقالته عقب نشر مادة صحفية تناولت إحدى الشركات الغذائية المرتبطة بأحد المتنفذين في عهد حافظ الأسد.

كما برز اسم مصطفى النجار، الذي عُرفت الصحيفة خلال فترة إدارته بنشر تحقيقات صحفية جريئة انتهت بإقالته وفرض الإقامة الجبرية عليه عقب نشر تحقيق تناول محافظ حلب الأسبق مصطفى ميرو، الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء.

وشهدت «الجماهير» خلال مراحل مختلفة تضييقًا سياسيًا وأمنيًا وهيمنة مباشرة من حزب البعث والأجهزة الأمنية على خطها التحريري، قبل أن تدخل اليوم مرحلة جديدة تحاول خلالها إعادة تعريف دورها داخل المشهد الإعلامي المحلي، في مدينة ما تزال تعيد ترميم ذاكرتها ومؤسساتها بعد سنوات الحرب الطويلة.