في قلب البادية السورية، وعلى الطريق الواصل بين حمص ودمشق، ترتفع مداخن محطة جندر الحرارية فوق مشهد صناعي ثقيل أعادت إليه الحركة شيئا من الحياة بعد سنوات طويلة من التراجع والأعطال.
داخل واحدة من أكبر محطات إنتاج الكهرباء في سوريا، يعمل مهندسون وفنيون على مدار الساعة لمحاولة استعادة جزء من الاستقرار لشبكة كهربائية أنهكتها الحرب ونقص الوقود وتآكل البنية التحتية.
يقول المهندس أحمد سماعين الرج، مدير المحطة لموقع سوريا 24، إن القدرة الإنتاجية ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة من نحو 200 ميغاواط إلى قرابة 800 ميغاواط، بعد إعادة تشغيل عدد من الوحدات التي كانت خارج الخدمة بالكامل. ويوضح أن “البلوك الثالث”، الذي تصل استطاعته إلى نحو 350 ميغاواط، عاد للعمل بعد سلسلة طويلة من أعمال الصيانة والتأهيل، إلى جانب إعادة تشغيل عدد من العنفات الغازية والبخارية.
ويشير إلى أن البخارية الأولى عادت أيضا إلى الخدمة بطاقة تقارب 100 ميغاواط، بالتوازي مع تنفيذ أعمال صيانة وقائية شملت الصمامات وأنظمة التشغيل ورفع كفاءة بعض التجهيزات الفنية داخل المحطة.
لكن هذا التحسن، بحسب الرج، ما يزال هشا، إذ يرتبط بشكل مباشر بتوفر الغاز وقطع الغيار اللازمة لاستمرار التشغيل. فالمحطة، التي دخلت الخدمة منذ سنوات طويلة، تعاني من بنية تقنية متهالكة نتيجة الاستهلاك المستمر وغياب الصيانة المنتظمة خلال سنوات الحرب.
داخل القاعات المعدنية الضخمة، تتواصل أعمال الصيانة اليومية على المكثفات وأنظمة التبريد والصمامات، فيما تحاول الفرق الهندسية الحد من التسريبات والأعطال باستخدام إمكانات محلية محدودة.
ويقول مدير المحطة إن بعض القطع بات يتم تأمينها من السوق المحلية بسبب صعوبة الحصول على التجهيزات الأصلية.

ورغم تلك التحديات، أصبحت محطة جندر اليوم واحدة من الركائز الأساسية للشبكة الكهربائية السورية، إذ تساهم، بحسب إدارتها، بنحو 12.5% من إجمالي الكهرباء المغذية للشبكة العامة.
وينعكس ذلك بشكل مباشر على المدينة الصناعية في حسيا القريبة من المحطة، حيث باتت المعامل تحصل على تغذية كهربائية شبه مستقرة على مدار الساعة، في وقت تسعى فيه السلطات السورية إلى إعادة تنشيط القطاع الصناعي بعد سنوات من الانكماش الاقتصادي.
ويؤكد الرج أن هناك خططا لرفع القدرة الإنتاجية إلى نحو 950 ميغاواط خلال المرحلة المقبلة، عبر استكمال أعمال الصيانة وتأهيل أبراج التبريد والوحدات المتضررة، إلا أن تحقيق ذلك يبقى مرهونا بتأمين التمويل وقطع التبديل واستقرار إمدادات الوقود.
وفي قلب المحطة، داخل غرفة التحكم الرئيسية، يجلس فخر عساف، مساعد مهندس فني تشغيل، أمام صفوف طويلة من الشاشات واللوحات الإلكترونية التي تراقب أدق تفاصيل عمل الوحدات الإنتاجية. من هذه الغرفة، التي تعرف بين العاملين باسم “السنترال”، تتم إدارة مختلف أقسام المحطة والتحكم بحركة الطاقة داخلها.
يشرح عساف أن قسم التحكم يعد “العقل التشغيلي” للمحطة، إذ تتم عبره مراقبة القراءات الفنية بشكل دائم، وإجراء المناقلات والجولات التشغيلية، إضافة إلى تنسيق الأحمال الكهربائية مع مركز التحكم في دمشق.
ويضيف أن الفرق الفنية تتحكم من داخل هذه الغرفة بتشغيل العنفات وإيقافها ومتابعة استقرار الشبكة والأعطال الفنية، إلى جانب إدارة توزيع الحمولة الكهربائية بحسب حاجة الشبكة العامة.
وسط أصوات أجهزة الإنذار والإشارات الضوئية المتواصلة، تبدو غرفة التحكم أشبه بمركز قيادة صناعي، حيث يعمل الفنيون والمهندسون على مدار الساعة لمنع أي خلل قد يؤدي إلى خروج الوحدات عن الخدمة، في بلد ما تزال فيه الكهرباء واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا بعد أكثر من عقد من الحرب.
بالنسبة للعاملين داخل محطة جندر، لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج الكهرباء، بل بمحاولة إعادة تشغيل ما تبقى من البنية التحتية السورية التي استنزفتها سنوات الصراع. وبين أصوات العنفات وصفارات الإنذار الصناعية، تبدو المحطة اليوم أشبه بورشة مفتوحة لإعادة ترميم قطاع حيوي ما يزال يمثل أحد أكثر وجوه الأزمة السورية تعقيدا.
