الشمال السوري: أزمة صحية متفاقمة مع إغلاق مشاف وتراجع الدعم الإنساني

حجم الخط

في مدن وبلدات الشمال السوري، لم تعد أزمة القطاع الصحي تقتصر على نقص الأدوية أو الضغط المتزايد على الكوادر الطبية، بل امتدت إلى إغلاق مشاف ومراكز صحية كاملة، في مشهد يعكس هشاشة منظومة الرعاية التي اعتمدت طوال سنوات الحرب على التمويل الإنساني والدعم الخارجي.

فعلى امتداد الشريط الحدودي في ريف إدلب، من دركوش غربا حتى أطمة شمالا، تواجه المشافي والمراكز الصحية خطر التوقف التدريجي عن العمل، وسط تراجع تمويل المنظمات الدولية، وصعوبات تشغيلية متزايدة، وغياب بدائل مستدامة قادرة على تغطية الاحتياجات الطبية لملايين السكان.

ويقول رئيس دائرة المنشآت الصحية، الدكتور سامر عبد العال، لموقع “سوريا 24”، إن عدة عوامل تقف خلف إغلاق عدد من المشافي خلال الفترة الأخيرة، أبرزها توقف بعض المنظمات الداعمة عن تمويل المشافي أو نقل نشاطها إلى محافظات أخرى، إضافة إلى غياب بدائل كافية لاستمرار التشغيل.

ويضيف أن القطاع الصحي يواجه أيضا مشكلة متصاعدة تتمثل في هجرة الكوادر الطبية إلى مؤسسات حكومية أخرى، مثل وزارتي الدفاع والداخلية، فضلا عن تغيرات ديموغرافية شهدتها بعض المناطق بعد عودة عدد من النازحين من المخيمات والمناطق الحدودية إلى مدنهم وقراهم.

ورغم عدم وجود رقم دقيق للمشافي التي توقفت فعليا عن العمل، يؤكد عبد العال أن هناك “قائمة طويلة من المشافي المهددة بالإغلاق في أي لحظة”، نتيجة نقص التمويل وصعوبة تأمين المستهلكات الطبية والأدوية والكلف التشغيلية، وفي مقدمتها رواتب العاملين.

ويشير إلى أن المناطق الحدودية تعد الأكثر تأثرا، لا سيما مدن وبلدات الجسر، ودركوش، وكفرتخاريم، وأرمناز، وسلقين، وحارم، والدانا، وسرمدا، وعقربات، وأطمة، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الخدمات الطبية المجانية أو منخفضة التكلفة.

وفي ظل هذا الواقع، يخشى السكان أن يتحول الوصول إلى العلاج إلى عبء مالي يفوق قدرتهم، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والعلاج في المشافي الخاصة.

ويقول عبد العال إن أي توقف للخدمات الطبية المجانية “سيؤدي إلى مضاعفات مالية كبيرة على المرضى”، مضيفا أن كثيرا من الأهالي قد يضطرون إلى السفر لمسافات أطول للحصول على الرعاية الصحية، أو تحمل تكاليف مرتفعة في القطاع الخاص.

ويبدو المشهد أكثر تعقيدا مع غياب أي ضمانات مستقبلية لاستمرار التمويل. فبحسب المسؤول الصحي، لا توجد حتى الآن “وعود كافية” من الجهات الدولية لإعادة تشغيل المشافي المتوقفة أو دعم المنشآت المهددة بالإغلاق، بينما تعاني المشافي المدعومة أصلا من تأخر التمويل وقصر العقود التشغيلية.

ويحذر عبد العال من أن استمرار تراجع الدعم الإنساني، من دون وجود بدائل حقيقية، قد يقود إلى “كارثة طبية” في المنطقة، معتبرا أن القطاع الصحي يقف اليوم عند مرحلة حرجة تهدد استمرارية الخدمات الأساسية.

ورغم ذلك، يؤكد أن مديرية الصحة في إدلب تعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة لإيجاد حلول إسعافية ومستدامة، تشمل البحث عن مصادر دعم جديدة، ومحاولة دمج الكوادر الطبية المتضررة ضمن مشاريع أخرى عند الإمكان.

وفي ما يتعلق بمصير العاملين في المشافي المهددة بالإغلاق، كشف عبد العال عن رفع مقترح إلى وزارة الصحة لتوقيع عقود مع نحو 1400 موظف من الكوادر الطبية، في محاولة للحفاظ على استقرار القطاع ومنع خسارة المزيد من العاملين.

لكن الأزمة لا تتعلق فقط بالتمويل، بل تمتد أيضا إلى البنية الصحية المتهالكة ونقص التجهيزات الطبية. فبحسب عبد العال، يحتاج القطاع بشكل عاجل إلى دعم بالمستهلكات الطبية والأدوية والوسائل التشخيصية، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي، في ظل قدم الأجهزة الحالية وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.

ورغم تأكيده أن الخدمات الطبية “ما تزال متوفرة في جميع المناطق حتى الآن”، فإن عبد العال يقر بأن استمرار هذا الواقع يبقى رهنا بتأمين دعم مستدام يمنع انهيار ما تبقى من البنية الصحية في شمال سوريا.

وتأتي أزمة إغلاق المشافي في الشمال السوري ضمن سياق صحي معقد تشكل خلال سنوات الحرب، حين اضطرت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق إلى بناء منظومة طبية بديلة، اعتمدت بصورة رئيسية على الدعم الإنساني والمنظمات المحلية والدولية لتلبية احتياجات ملايين السكان والنازحين.

وبحسب بيانات إنسانية سابقة، كان الشمال السوري يضم نحو 70 مشفى، و186 مركز رعاية صحية أولية ثابتا، و77 عيادة متنقلة، تخدم أكثر من أربعة ملايين نسمة في المنطقة.

وتحولت هذه المنشآت، خلال سنوات النزاع، إلى العمود الفقري للخدمات الصحية في إدلب وريف حلب، ولا سيما في المناطق الحدودية والمخيمات التي استقبلت موجات نزوح واسعة. ومع توسع الاحتياجات، قدر عدد سكان شمال غربي سوريا في عام 2024 بنحو 5.1 ملايين نسمة، بينهم 4.2 ملايين شخص بحاجة إلى المساعدة، ونحو مليوني نازح يقيمون في المخيمات، ما جعل أي تراجع في التمويل الصحي ينعكس مباشرة على قدرة السكان على الوصول إلى العلاج.

وتشير معطيات منظمة الصحة العالمية والقطاع الصحي إلى أن نحو 80% من سكان شمال غربي سوريا كانوا بحاجة إلى مساعدة صحية خلال عام 2024، في ظل ضغط كبير على المشافي والمراكز الطبية، واعتماد واسع على التمويل الخارجي لتأمين الأدوية والمستهلكات ورواتب الكوادر.

وفي حين لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة بعد سقوط النظام حول عدد السكان الحالي في شمال غربي سوريا، أو مستقبل المشافي الميدانية في المنطقة، كانت وزارة الصحة قد أعلنت في وقت سابق أنها ستتولى تمويل المشافي الأصيلة، بينما ستعود الأبنية التي استخدمت كمشاف خلال سنوات الحرب إلى مؤسساتها الرسمية أو الوقفية.