في حي الفردوس بحلب… تختلط العودة بمرارة غياب الخدمات

حجم الخط

في حي الفردوس شرقي حلب، تبدو العودة إلى المنازل كأنها معركة يومية مع الغياب الطويل للخدمات، أكثر منها نهاية للحرب.

هنا، لا يتحدث الناس عن رفاهية الحياة، بل عن الكهرباء والمياه والحفر والنفايات؛ عن تفاصيل صغيرة تحولت، بعد سنوات الحرب والزلازل والانهيار الاقتصادي، إلى أحلام بعيدة.

على مقربة من فرن النور، في شارع المستودعات المكتظ بالسيارات، يقف محمد ديب أمام محله متابعا حركة الناس القليلة التي استعادت شيئا من نبض الحي.

يقول بنبرة يختلط فيها التذمر بالسخرية: “الأسعار تركض وراء الدولار، والأمبيرات وصلت إلى 200 ألف، والكهرباء غائبة عن الحي تقريبا منذ 13 سنة”.

يرفع كتفيه قبل أن يضيف: “إذا كانت الكهرباء ستعود بأسعار لا يقدر الناس عليها، فما الفائدة؟”.

رغم ذلك، يحاول الحي أن يبدو حيا نابضا بالحياة.. بعض المحال فتحت أبوابها مجددا، وأصوات الباعة تعود تدريجيا إلى الشوارع التي أرهقتها الحرب.

لكن النظافة المتردية والحفر العميقة التي تركها الزلزال والإهمال تجعل المشهد أقرب إلى مدينة تحاول الوقوف فوق ركامها.

أبو دياب، أحد سكان الفردوس، يشير إلى الطريق الرئيسي الممتد بين الأبنية المتعبة قائلا: “بين حفرة وحفرة يوجد شارع”.

يضحك بمرارة قبل أن يتحدث عن ضريبة النظافة التي يدفعها أصحاب المحال سنويا من دون أن يلمسوا أثرا حقيقيا للخدمات.

بالنسبة إليه، لا شيء أهم اليوم من الكهرباء، يقول: “الناس تستطيع أن تتحمل أشياء كثيرة، لكن لا يمكن أن تعيش بلا كهرباء، خصوصا ونحن داخلون على الصيف”.

في مكتب صغير داخل الحي، يجلس المختار أحمد محسن زكور محاطا بطلبات الأهالي وشكاواهم اليومية.

يتحدث عن “عودة بطيئة” للسكان، لكنه يقر بأن بعض العائلات بدأت تغادر مجددا بسبب الواقع الخدمي الصعب. يقول: “هناك من عاد من المخيمات ثم قرر الرجوع إليها، لأن الحياة هنا ما زالت قاسية جدا”.

بحسب المختار، يضم حي الفردوس نحو 30 ألف عائلة، أي ما يقارب 150 ألف نسمة، بينما تتجاوز نسبة الدمار فيه 20 بالمئة.

أبنية مهدمة، وبنية تحتية منهكة، وشوارع تنتظر منذ سنوات ورشات إصلاح لا تأتي.

ويضيف: “نتواصل باستمرار مع مجلس المدينة والمحافظة، لكن الجواب دائما أن الإمكانات ضعيفة”.

في الفردوس، لا تبدو الحرب حدثا من الماضي.. آثارها ما تزال حاضرة في الجدران المتشققة، وفي العتمة الطويلة التي تغرق بها البيوت ليلا، وفي تعب السكان الذين يحاولون استعادة حياتهم خطوة خطوة.

ومع ذلك، يواصل كثيرون العودة، كأن مجرد البقاء في الحي نوع من التمسك بما تبقى من المدينة القديمة في ذاكرتهم.

يقع حي الفردوس في القسم الجنوبي الشرقي من مدينة حلب، ويعد من الأحياء الشعبية والتجارية القديمة في المدينة، كما يعرف بكثافته السكانية العالية وأسواقه الشعبية واتصاله المباشر بعدة أحياء مركزية.

يحد الحي من الشمال حيا باب المقام والكلاسة، ومن الجنوب حيا السكري والشيخ سعيد، ومن الشرق حيا بستان القصر وكرم الدعدع، بينما يحده من الغرب حي المشهد ومنطقة الزبدية.

ولا توجد بيانات رسمية دقيقة ومتداولة حديثا حول المساحة الإجمالية لحي الفردوس، لكن الحي يصنف ضمن الأحياء ذات الامتداد العمراني المتوسط إلى الكبير والكثافة السكانية المرتفعة، وينقسم عمليا إلى منطقتين رئيسيتين: “الفردوس” و“مساكن الفردوس”، ويفصل بينهما الطريق المعروف باسم “الدائري الجنوبي”.