أثار القرار رقم /1195/ الصادر عن وزارة السياحة السورية، والخاص بتنظيم موسم العمرة لعام 2026، حالة من الجدل داخل قطاع مكاتب السياحة والسفر، بين من يعتبره خطوة ضرورية لضبط السوق بعد سنوات من الفوضى والمخالفات، وبين أصحاب مكاتب يرون أن الشروط المالية والإدارية الجديدة ستؤدي عملياً إلى تقليص عدد المكاتب القادرة على العمل، ورفع تكاليف العمرة على السوريين، خاصة القادمين من الأرياف والمناطق البعيدة عن المدن الكبرى.
وتقول وزارة السياحة إن القرار جاء استجابةً للتعليمات الجديدة التي فرضتها المملكة العربية السعودية على شركات العمرة، إضافة إلى الحاجة لإعادة تنظيم القطاع بعد سنوات الحرب، فيما يرى أصحاب المكاتب أن الضمانات المالية الكبيرة وتجميد السيولة المصرفية سيؤديان إلى خلق سوق تسيطر عليه المكاتب الأكثر قدرة على التمويل، على حساب المكاتب الصغيرة والمتوسطة.
وتضمّنت التعليمات التنفيذية الجديدة إلزام المكاتب السياحية الراغبة بتنظيم رحلات العمرة بالحصول على عقود مع شركات سعودية معتمدة، إضافة إلى تقديم كفالات مصرفية أو شيكات مصدقة تعادل 25 بالمئة من قيمة الرحلات، مع اعتماد متوسط تكلفة يبلغ 800 دولار للمعتمر الواحد، فضلاً عن مبالغ تأمين وضمانات تستمر طوال الموسم.
كما نصت التعليمات على إجراء جولات رقابية للتحقق من وجود المكاتب وكوادرها الإدارية بشكل فعلي، في ظل حديث الوزارة عن وجود عدد كبير من المكاتب غير المرخصة أو المكاتب المرخصة التي لم تعد موجودة على أرض الواقع بعد سنوات الحرب.
وشملت التعليمات أيضاً إلزام كل رحلة عمرة بوجود مرشد ديني معتمد، وتنظيم عقود رسمية خاصة بالإرشاد الديني، إلى جانب تشديد الضوابط المتعلقة بتصديق العقود وآليات التعامل المالي بين المكاتب السورية وشركات العمرة السعودية، في محاولة ـ بحسب الوزارة ـ للحد من الخلافات المالية والمشكلات التي شهدها القطاع خلال الموسم الماضي.
في المقابل، يرى أصحاب المكاتب أن هذه الإجراءات ستنعكس مباشرة على المعتمر السوري. ويقول رامز الصلخدي، صاحب مكتب في مدينة جاسم، لموقع سوريا 24 إن المشكلة الأساسية لا تكمن في مبدأ الضمان المالي بحد ذاته، بل في غياب أي ضمانات مقابلة تحمي المكاتب السورية من العقوبات السعودية في حال خالف أحد المعتمرين شروط التأشيرة أو مدة الإقامة، موضحاً أن الغرامات أو إيقاف العقود ستقع بالكامل على المكتب السوري.
ويضيف أن الأموال المطلوبة كضمانات “ستبقى مجمدة داخل البنوك دون أي استفادة اقتصادية”، معتبراً أن القرار سيصب عملياً في مصلحة الجهات القادرة على تمويل العقود الكبيرة، بينما ستضطر المكاتب الصغيرة إلى شراء التأشيرات والخدمات من المكاتب الكبرى، ما سيرفع تكلفة العمرة على المعتمر النهائي بما لا يقل عن 200 دولار إضافية للشخص الواحد.
أما همام مبارك، صاحب مكتب “المبارك” للسياحة والسفر، فيرى أن التأثير الأكبر سيطال مكاتب الأرياف والمناطق الصغيرة، التي لا تملك القدرة على تجميد مبالغ تصل إلى نحو 15 ألف دولار كضمانات مصرفية.
ويقول لموقع سوريا 24 إن “المكاتب الضعيفة ستضطر للجوء إلى المكاتب القوية”، ما سيؤدي إلى إضعاف معظم المكاتب السياحية وتحويل سوق العمرة إلى سوق تتحكم به الجهات القادرة على التمويل فقط.
ويشرح أن المكتب غير القادر على دفع التأمينات سيضطر للحصول على التأشيرات من مكتب آخر يمتلك عقداً ممولاً، ما يعني زيادة العمولات والتكاليف على المكتب الأصغر، والتي ستنعكس بدورها على المعتمر السوري، خاصة مع تحكم المكاتب الممولة بأسعار العقود والتأشيرات.
ورغم تأكيده دعم تنظيم القطاع ومحاسبة المخالفين، شدد مبارك على ضرورة إعادة النظر بقيمة الضمانات المالية وتشديد الرقابة على المكاتب والإعلانات غير المرخصة بدلاً من تحميل المكاتب الصغيرة أعباء قد تدفعها إلى الخروج من السوق.
من جهته، دافع مدير السياحة في درعا، جهاد قويدر، عن القرار، معتبراً أن الإجراءات الجديدة “ليست معقدة”، بل تأتي ضمن عملية إعادة تنظيم شاملة للقطاع بعد 14 عاماً من الحرب.
وقال لموقع سوريا 24 إن الوزارة أعادت ترتيب تعليمات وشروط تفعيل عقود العمرة مع انتهاء موسم العمرة وبداية موسم الحج، موضحاً أن الخطوة جاءت أيضاً نتيجة الشروط الجديدة التي فرضتها المملكة العربية السعودية على قطاع العمرة.
وأضاف قويدر أن الهدف من التعليمات الجديدة هو “تطوير عمل مكاتب السياحة وتقديم خدمات أفضل للمعتمرين وضبط سوق العمل في هذا القطاع”، مشيراً إلى أن الموسم الماضي شهد مشكلات وخلافات مالية عديدة سيتم الحد منها عبر الضوابط الجديدة.
ورداً على المخاوف من خلق حالة احتكار داخل السوق، قال إن “الإجراءات الموجودة اليوم معمول بها في مختلف دول العالم لتنظيم قطاع السياحة والسفر”، مضيفاً أن هذه التعليمات “تصب في مصلحة من يريد العمل بشكل جدي وفاعل داخل القطاع”.
كما أوضح أن عدداً كبيراً من المكاتب المرخصة لم يعد موجوداً فعلياً على أرض الواقع بسبب التدمير أو التهجير أو السفر، في مقابل انتشار مكاتب غير مرخصة تعمل خارج سجلات الوزارة، ما تسبب بخلافات مالية ومشكلات كبيرة بين المكاتب، مؤكداً أن “كمية الخلافات والمشكلات داخل قطاع مكاتب السياحة والسفر أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على قطاع السياحة”.
وفيما يتعلق بإلزام كل رحلة بمرشد ديني مستقل، قال قويدر إن هذا الإجراء “ليس جديداً”، موضحاً أن المرشد الديني كان موجوداً أساساً ضمن برامج العمرة السابقة، وأن القرار الحالي أعاد تنظيم الأمر “بشكل رسمي وقانوني”.
وأكد أيضاً أن الوزارة أجرت دراسة مطولة قبل إصدار التعليمات الجديدة، بمشاركة غرف السياحة وممثلي مكاتب السفر والسياحة، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الضوابط مرتبط مباشرة بالتعليمات السعودية، بل إن بعضها “أشد صرامة” من الشروط السورية نفسها، ما يجعل التزام المكاتب بها أمراً لا مفر منه لضمان استمرار تعاملها مع شركات العمرة السعودية.
