في أول عيد أضحى يمرّ على سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تبدو مخيمات الشمال السوري كأنها تقف خارج صورة الاحتفال تمامًا. لا أضواء معلّقة بين الخيام، ولا ازدحام أمام محال الثياب، ولا روائح شواء تتسلل مع المساء.
فقط خيام باهتة أنهكتها الشمس والشتاء الطويل، وأزقة ترابية ضيقة يمشي فيها الأطفال حفاة وهم يراقبون العالم من حولهم يستعد للعيد، فيما يحاول أهاليهم إخفاء شعور ثقيل بالعجز.
في مخيم كراج سجو، شمال إدلب، لا يبدأ الحديث عن العيد من الملابس الجديدة أو الزيارات العائلية، بل من سؤال أكثر قسوة: كيف يمكن لعائلة أنهكتها الحرب والفقر أن تجعل هذا اليوم يمرّ بسلام؟
داخل خيمة صغيرة بالكاد تتسع لأطفالها الخمسة، كانت فاطمة شيخ خليل ترتب ثيابًا قديمة وتحاول إقناع أطفالها بأن الأشياء نفسها يمكن أن تبدو جديدة مرة أخرى.
الأرملة التي فقدت زوجها خلال الحرب تقول إن أكثر ما يؤلمها ليس الفقر وحده، بل شعورها بأنها عاجزة عن منح أطفالها حياة طبيعية، ولو ليوم واحد فقط.
“الأطفال يسمعون عن العيد من الناس ومن التلفزيون… لكن هنا الوضع مختلف”، تقول بصوت منخفض، بينما يلتف طفلها الأصغر حولها. ثم تضيف: “حتى الضيافة البسيطة ما عدنا قادرين عليها”.
منحة زوجها الشهيد، كما تشرح، لم تعد تكفي سوى لنصف شهر تقريبًا، فيما ترتفع الأسعار بوتيرة تتجاوز قدرة العائلات على الاحتمال.
ومع توقف معظم المنظمات الإنسانية عن تقديم خدماتها داخل المخيم، أصبحت الحياة أكثر قسوة من أي وقت مضى.
المياه تُشترى، والكهرباء تُدفع تكلفتها من جيوب السكان، وحتى القمامة يجمع الأهالي المال فيما بينهم لترحيلها. أما المساعدات الغذائية، فتقول فاطمة إنها اختفت تقريبًا منذ “التحرير”.
ثم تنظر إلى أطفالها الجالسين عند مدخل الخيمة وتقول بجملة تختصر سنوات النزوح كلها: “بدنا نرجع على بيوتنا… أولادنا تعبوا من حياة الخيام”.
غير بعيد عنها، كان وليد كبصو، مدير مخيم كراج سجو، يسير بين الخيام التي تحولت مع الوقت إلى ما يشبه بيوتًا دائمة للفقراء.
يقول الرجل إن من بقي في المخيمات اليوم هم “الأشد فقرًا وحرمانًا”، أولئك الذين دُمّرت منازلهم بالكامل ولم يعد لديهم مكان يعودون إليه.
ويضيف أن معظم المنظمات الإنسانية غادرت بعد “التحرير”، فيما توقفت المساعدات بشكل شبه كامل، تاركة السكان يواجهون مصيرهم وحدهم.
“حتى القمامة صرنا نجمع اشتراكات لنقلها”، يقول كبصو، موضحًا أن الأهالي باتوا يعتمدون على مبادرات أهلية بسيطة لتأمين الحد الأدنى من الخدمات.
أما المياه، فتُشترى بالصهاريج، والكهرباء يدفع السكان تكلفتها رغم الفقر المتزايد. ومع اقتراب العيد، لم تصل أي مساعدات أو مبادرات دعم، بينما يعتمد معظم الأهالي على أعمال يومية شاقة بالكاد تكفي لشراء الخبز.
“هناك من يعمل في البناء، وآخرون على دراجات التوصيل، لكن الأجر اليومي لا يتجاوز 300 ليرة تركية”، يقول كبصو، قبل أن يضيف بأسى: “أهالي المخيمات تم نسيانهم بالكامل”.
في المخيمات، لا يأتي العيد بوصفه مناسبة للفرح بقدر ما يمرّ كتذكير إضافي بكل ما خسره الناس خلال سنوات الحرب. لا أحد هنا يفكر بالأضاحي أو السفر أو الزيارات الطويلة.
كل ما يتمناه كثيرون هو أن يتمكنوا من شراء الخبز، أو تأمين لعبة صغيرة لطفل يسأل عن معنى العيد للمرة الأولى.
“هنا، العيد يشبه أي يوم آخر”، يقول محمد النعسان، أحد سكان المخيم، وهو يجلس أمام خيمته المهترئة. ثم يتوقف قليلًا ويتابع بنبرة يختلط فيها التعب بالسخرية: “الفرق الوحيد أن الأطفال يسألون أكثر”.
النعسان، الذي يعيش على راتب تقاعدي بالكاد يكفي لأيام معدودة، يقول إن الأسعار ارتفعت إلى حد جعل الخضار ولحم الفروج “حلمًا” بالنسبة لكثير من العائلات.
ويضيف أن الأهالي خرجوا من سنوات الحرب منهكين بالكامل، بينما تبدو العودة إلى المنازل المدمرة أبعد من أي وقت مضى مع الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء.
ثم يضحك بمرارة وهو ينظر إلى خيمته: “كرهنا حياة الخيام… حتى الخيمة ملت منّا وزهقت”.
ومع حلول المساء، تخفت الحركة داخل المخيم تدريجيًا. الأطفال يعودون إلى خيامهم، والأمهات يطفئن مواقد صغيرة بالكاد تكفي لإعداد وجبة متواضعة، بينما يظل سؤال العودة حاضرًا في كل حديث تقريبًا. هنا، في شمال سوريا، لا ينتظر سكان المخيمات عيدًا استثنائيًا، بل شيئًا أبسط بكثير: بيتًا حقيقيًا، وماءً نظيفًا، وحياة لا تبدأ كل صباح من داخل خيمة.