“حملنا أطفالنا وغادرنا”.. فيضانات “الفرات” تشرد آلاف السكان وتغرق الحقول في دير الزور

حجم الخط

ارتفاع غير مسبوق في منسوب نهر الفرات يجبر أكثر من 14 ألف شخص على مغادرة مناطقهم، ويغمر آلاف الدونمات الزراعية على ضفتي النهر، وسط استمرار عمليات الإنقاذ والإغاثة وتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد.

عندما بدأت المياه تتسرب إلى منزلها في حوايج بومصعة بالريف الغربي من دير الزور، لم تتخيل أم صالح أن ساعات قليلة ستكون كافية لقلب حياتها رأساً على عقب.

كانت تراقب نهر الفرات الذي ارتبط في ذاكرة أبناء المنطقة بالزراعة والرزق والاستقرار، قبل أن تجد نفسها تحمل أطفالها الثلاثة وتغادر المنزل على عجل، تاركة خلفها أثاثها وممتلكاتها وكل ما لم تتمكن من إنقاذه.

تقول لموقع سوريا 24 إن المياه ارتفعت بسرعة لم يشهدها السكان منذ سنوات طويلة، فخلال وقت قصير غمرت الغرف والأجهزة المنزلية، قبل أن تمتد إلى الأراضي الزراعية المحيطة وتبتلع محصول القمح الذي كانت الأسرة تنتظر حصاده بعد أشهر من العمل.

وتضيف: “لم نفكر بشيء سوى الأطفال. عندما بدأت المياه تدخل إلى المنزل، لم يعد هناك وقت لإنقاذ الممتلكات أو التفكير بالمحصول، كان علينا الخروج فوراً”.

على امتداد ضفاف الفرات في محافظة دير الزور، تتكرر القصة ذاتها بصيغ مختلفة. آلاف السكان الذين يعيشون في القرى والحوايج النهرية وجدوا أنفسهم خلال الأيام الماضية أمام واقع فرضته المياه التي تجاوزت ضفاف النهر وغمرت مساحات واسعة من الأراضي السكنية والزراعية.

وبحسب مهند الحنيدي، مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في دير الزور، فإن الارتفاع غير المسبوق في منسوب النهر أدى إلى نزوح 2439 عائلة تضم أكثر من 14 ألف شخص، بعد أن تجاوزت المياه مستوياتها الطبيعية بأكثر من 3.6 أمتار في بعض المناطق.

ويقول الحنيدي في تصريح خاص لموقع سوريا 24 إن الفيضانات اجتاحت ست حوايج رئيسية على طول مجرى الفرات، وأدت إلى عزل عدد من التجمعات السكانية وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والمرافق الخدمية والأراضي الزراعية، فضلاً عن انقطاع بعض الطرق الحيوية التي تربط بين القرى والبلدات الواقعة على ضفتي النهر.

سباق مع الوقت لإنقاذ العالقين

في الساعات الأولى للأزمة، تحولت ضفاف الفرات إلى مسرح لعمليات إنقاذ متواصلة. وكانت فرق الدفاع المدني من أوائل الجهات التي وصلت إلى المناطق المتضررة، فيما دفعت وزارة الدفاع بزوارق للمشاركة في عمليات الإجلاء ونقل السكان العالقين.

وعند معبر الحوايج الذي يربط البلدة بمدينة الميادين، تواصلت عمليات نقل العائلات من المناطق التي بات الوصول إليها براً أمراً بالغ الصعوبة. وفي بعض المواقع أصبحت القوارب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السكان المحاصرين بالمياه أو إخراجهم من المناطق المنخفضة.

ويقول أبو علي، أحد أبناء المنطقة، إن كثيراً من العائلات غادرت منازلها خلال ساعات قليلة فقط، مضيفاً أن الخوف الأكبر كان على الأطفال وكبار السن، خاصة مع استمرار ارتفاع المياه وصعوبة التنبؤ بمستوياتها خلال الأيام المقبلة.

موسم زراعي تحت الماء

بعيداً عن مشاهد النزوح، تتكشف خسائر أخرى لا تقل قسوة، ففي المناطق الزراعية الممتدة على ضفاف الفرات، غمرت المياه آلاف الدونمات المزروعة بالقمح والشعير ومحاصيل موسمية أخرى كانت قد دخلت مراحل الحصاد أو أوشكت على ذلك.

وتأتي هذه الخسائر في سياق التحولات التي شهدها النهر خلال السنوات الماضية، فمع استمرار موجات الجفاف وتراجع مناسيب المياه لفترات طويلة، توسعت الأنشطة الزراعية تدريجياً نحو مساحات قريبة من مجرى النهر كانت تغمرها المياه في مواسم سابقة.

ومع الارتفاع المفاجئ والكبير في المنسوب هذا العام، عادت المياه لتغطي أجزاء واسعة من تلك الأراضي، ما وسع نطاق الأضرار الزراعية على امتداد ضفتي الفرات.

ويقول المزارع نواف الشبوط لموقع سوريا 24 إن الارتفاع الكبير في منسوب المياه فاق توقعات الأهالي والمزارعين، وأصبح يهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومحاصيل القمح في المنطقة.

ويوضح أن المزارعين كانوا قد أنهوا أعمال الحصاد خلال الأيام الماضية، إلا أن الارتفاع المفاجئ للمياه حال دون تمكن كثير منهم من نقل محاصيلهم أو اتخاذ إجراءات وقائية لحمايتها.

ويضيف: “تفاجأنا بارتفاع المنسوب، وأصبح محصولنا وأراضينا ومصدر رزق عائلاتنا مهدداً بالغرق. كنا نعاني أساساً من انخفاض أسعار الحبوب، لكننا اليوم نواجه كارثة جديدة قد تؤدي إلى خسارة الموسم بالكامل”.

ويشير إلى أن الأهالي استنفروا جميع أفراد عائلاتهم للمشاركة في نقل المحاصيل ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل وصول المياه إليها، رغم الظروف المعيشية الصعبة وتزامن ذلك مع متطلبات الدراسة ومصاريفها

ويستعيد الشبوط، وهو من مواليد ستينيات القرن الماضي، مشاهد من فيضانات شهدتها المنطقة في عقود سابقة، موضحاً أن مياه الفرات كانت تصل في بعض السنوات إلى المنازل، فيما كانت مساحة الفيضان تتجاوز ثلاثة كيلومترات عرضاً في بعض المناطق.

ويضيف أن ما يحدث اليوم يعكس عودة النهر إلى مستويات لم يشهدها السكان منذ سنوات طويلة، لكنه يأتي في وقت باتت فيه مساحات زراعية وسكانية واسعة أكثر قرباً من مجرى المياه مقارنة بما كان عليه الحال خلال سنوات الجفاف.

وفي منطقة الزوية، يقف أبو إبراهيم أمام أرضه التي تحولت إلى ما يشبه البحيرة الصغيرة، ويقول لموقع سوريا 24 إن المياه أتلفت المحصول بالكامل، إلى جانب الاستثمارات التي أنفقها خلال الموسم على البذار والأسمدة والري.

ويضيف: “خسرنا عاماً كاملاً خلال أيام قليلة. الأمر لا يتعلق بالمحصول فقط، بل بالدخل الذي كانت تعتمد عليه الأسرة طوال السنة”.

وتكتسب هذه الخسائر أهمية خاصة في محافظة يعتمد جزء كبير من سكان ريفها على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق، فبعد سنوات من الحرب والنزوح وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبحت الأراضي الزراعية بالنسبة لكثير من العائلات أحد آخر الموارد الاقتصادية المتبقية.

أزمة تتجاوز المنازل الغارقة

ولم تقتصر تداعيات الفيضانات على القطاع الزراعي. فبحسب الحنيدي، تضررت البنية التحتية المرتبطة بخدمات المياه بشكل كبير، حيث انخفضت القدرة الإنتاجية للمحطة الرئيسية المغذية لمدينة دير الزور إلى نحو النصف، فيما خرجت قرابة خمسين محطة مياه في الريف عن الخدمة.

كما تأثرت شبكات الطرق والممرات الخدمية القريبة من النهر، ما زاد من صعوبة وصول المساعدات إلى بعض المناطق المتضررة، وفرض تحديات إضافية على فرق الإنقاذ والإغاثة.

وفي مواجهة الأزمة، شكلت المحافظة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل غرفتي طوارئ لتنسيق الاستجابة الإنسانية، بالتعاون مع المنظمات المحلية والدولية والفرق التطوعية العاملة في المنطقة.

وشملت الإجراءات افتتاح مراكز إيواء لاستقبال العائلات النازحة، وتوزيع مواد غذائية ومياه للشرب ومستلزمات إغاثية وخدمات طبية عاجلة، في وقت تؤكد فيه الجهات المعنية أن حجم الاحتياجات ما يزال أكبر من الموارد المتاحة.

ما بعد انحسار المياه

لكن التحدي الأكبر قد يبدأ بعد انتهاء الفيضان نفسه، فالمنازل يمكن تنظيفها وإصلاح جزء منها، أما الأراضي الزراعية التي فقدت مواسمها والعائلات التي خسرت مصادر دخلها، فستحتاج إلى أشهر وربما سنوات للتعافي من آثار ما حدث.

وبالنسبة لآلاف السكان على ضفاف الفرات، لا تمثل الفيضانات مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل محطة جديدة في سلسلة الأزمات التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الماضية، من الجفاف وتراجع الموارد المائية إلى الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية المتراكمة.

أما أم صالح، فما تزال تنتظر، مثل كثيرين، انحسار المياه، ليس لتفقد منزلها فقط، بل لمعرفة ما إذا كانت الحياة التي تركتها خلفها ما تزال قائمة هناك، أم أن الفرات حمل معه هذه المرة سنوات من التعب والعمل والانتظار