أعلن مدير آثار ومتاحف حلب، منير القصقاص، أن الأرشفة الإلكترونية للقطع الأثرية باتت ضرورة لحماية المقتنيات الأثرية السورية وتوثيقها وفق معايير حديثة، مشيراً إلى أن التجربة التي انطلقت من متحف حلب الوطني تمثل خطوة أولى نحو تعميم أنظمة التوثيق الرقمي في مختلف المتاحف السورية.
وقال القصقاص لموقع سوريا 24 إن البلاد دخلت مرحلة جديدة تتطلب أرشفة جميع القطع الأثرية إلكترونياً، بما يضمن حفظ بياناتها وإتاحتها للباحثين والمتخصصين، موضحاً أن التقنيات الحديثة باتت توفر إمكانية توثيق معلومات القطع الأثرية وهويتها وتاريخها وأبعادها ضمن قواعد بيانات متكاملة تسهّل إدارتها والحفاظ عليها.
وتأتي هذه الجهود في وقت تسعى فيه المؤسسات الثقافية السورية إلى استعادة نشاطها بعد سنوات من الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالعديد من المواقع الأثرية والمتاحف، إضافة إلى الأضرار التي تسبب بها زلزال شباط/فبراير 2023 في عدد من المباني التاريخية والثقافية شمالي البلاد.
وأوضح القصقاص أن متحف حلب الوطني استضاف خلال الأيام الماضية وفداً ضم ممثلين عن منظمة اليونسكو والسفارة الإيطالية وعدداً من المنظمات الدولية والمحلية المهتمة بحماية التراث، حيث ناقش المشاركون مشاريع مستقبلية تتعلق باستكمال أعمال تأهيل متحف حلب الوطني وزيادة الاهتمام بمدينة حلب القديمة، ضمن خطة تهدف إلى الحفاظ على الإرث الثقافي للمدينة وإحياء مواقعها التاريخية.
وأشار إلى أن البرنامج التدريبي استهدف طلاباً وخريجين من قسم الآثار في جامعة حلب، بهدف إعداد كوادر قادرة على العمل في المتاحف والمؤسسات الأثرية وفق أساليب حديثة في التوثيق والحفظ، لافتاً إلى أن المشروع بدأ من حلب على أن يتم توسيعه لاحقاً ليشمل محافظات سورية أخرى.
ومن داخل قسم الأرشفة، أوضحت مسؤولة القسم بتول سريس أن عملية توثيق القطع لا تقتصر على تسجيل المعلومات الأساسية فحسب، بل تشمل تصوير القطع الأثرية وإنشاء نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد لها، قبل حفظها في صناديق مخصصة تحمل أرقاماً ورموزاً تعريفية تتيح الوصول إليها بسرعة ودقة.
وقالت سريس لموقع سوريا 24 إن اعتماد هذه الآليات الحديثة يوفر وقتاً وجهداً كبيرين عند البحث عن القطع الأثرية، كما يتيح للباحثين والعاملين في المتاحف التعامل مع قاعدة بيانات منظمة تتضمن صوراً تفصيلية ونماذج ثلاثية الأبعاد تسمح بدراسة القطعة من مختلف الزوايا. وأضافت أن المشروع يشكل فرصة مهمة لتأهيل كوادر شابة قادرة على العمل مستقبلاً في المتاحف والمواقع الأثرية وفق معايير مهنية وأكاديمية متقدمة.
ويأمل القائمون على هذا التدريب أن تظهر آثاره بشكل مباشر على المشاركين فيه. فبحسب يامن مايو، وهو طالب في قسم الآثار بجامعة حلب، يركز العمل الحالي على توثيق القطع الأثرية وحفظها بطريقة أكاديمية تضمن سهولة الوصول إليها من قبل الطلاب والباحثين والمهتمين بالآثار.
وقال مايو إن مشاركته في المشروع منحته خبرة عملية في تصوير القطع الأثرية والتعامل معها بحذر نظراً لقيمتها التاريخية وحساسيتها، معرباً عن أمله في استمرار هذه البرامج التدريبية لما توفره من خبرة ميدانية تسهم في إعداد دراسات وأبحاث أكثر تخصصاً حول التراث السوري.
من جانبه، اعتبر السفير الإيطالي في سوريا، ستيفانو رافانيان، في حديث خاص لموقع سوريا 24 أن الأرشفة الرقمية تشكل شرطاً أساسياً لإعادة تأهيل متحف حلب الوطني، موضحاً أن المشروع ركز على تدريب طلاب قسم الآثار على توثيق مقتنيات المتحف رقمياً ضمن قاعدة بيانات علمية متكاملة.
وأشار رافانيان إلى أن متحف حلب الوطني تأثر بأضرار ناجمة عن سنوات الحرب والزلزال، ما جعل عمليات التوثيق والأرشفة أولوية للحفاظ على المجموعات الأثرية وإدارتها وفق أسس علمية.
وأكد السفير الإيطالي في ختام تصريحه أن هناك توجهاً لإعادة تفعيل البعثات الأثرية البريطانية التي عملت سابقاً في مواقع أثرية بارزة بمدينة حلب، بهدف دعم جهود الحماية والترميم والحفاظ على التراث السوري.
ويأتي ذلك بالتزامن مع اختتام الشهر الأول من مشروع تدريب وإعادة تنظيم متحف حلب الوطني، الذي يُنفذ بالتعاون بين اليونسكو ووزارة الخارجية الإيطالية وجامعة فلورنسا، وبمشاركة طلاب قسم الآثار في جامعة حلب.
ويهدف المشروع إلى تطوير العمل المتحفي وتعزيز قدرات الكوادر العاملة في قطاع الآثار، في إطار مساعٍ لإعادة تأهيل المؤسسات الثقافية السورية والحفاظ على التراث الذي تعرض لخسائر كبيرة خلال سنوات النزاع.
