في إحدى قاعات جامعة حمص، لم يكن الحديث هذه المرة عن النظريات الاقتصادية التقليدية أو المؤشرات المالية المعتادة، بل عن مستقبل الاقتصاد السوري في عصر الرقمنة، وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه أنظمة الدفع الإلكتروني في إعادة تشكيل بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار والتجارة خلال السنوات المقبلة.
وخلال ورشة عمل أقيمت في الجامعة حول “الدفع الإلكتروني وأثره على الاقتصاد الوطني”، ناقش أكاديميون وخبراء ومتخصصون فرص هذا التحول وتحدياته، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على توجه رسمي نحو تحديث البنية المالية الرقمية في البلاد.
ويرى المهندس صفوان عوف، رئيس مجلس نقابة الاقتصاديين في حمص، أن الدفع الإلكتروني يمثل أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تسهم في تعزيز كفاءة الاقتصاد السوري، موضحاً أن أهميته لا تقتصر على تسهيل عمليات الدفع والتحويل المالي، بل تمتد إلى دعم حركة التجارة الداخلية والخارجية، وتسريع عمليات الاستيراد والتصدير، وخفض التكاليف التشغيلية المرتبطة بالتعاملات النقدية التقليدية.
ويقول عوف لموقع سوريا 24 إن الاقتصادات الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الحلول الرقمية في إدارة العمليات المالية والتجارية، الأمر الذي ينعكس على مستويات الشفافية والكفاءة الاقتصادية.
ويضيف أن مستقبل التجارة الإلكترونية والتسوق الرقمي يرتبط بوجود منظومة دفع إلكتروني متطورة وآمنة تحظى بثقة المستخدمين، لأن التجارة الحديثة تقوم أساساً على السرعة والمرونة وسهولة الوصول إلى الخدمات المالية.
لكن الحديث عن الدفع الإلكتروني في سوريا لا يأتي بمعزل عن التحولات التي يشهدها القطاع المالي خلال المرحلة الراهنة، فقد اتخذ مصرف سوريا المركزي خلال الأشهر الأخيرة سلسلة إجراءات تهدف إلى تحديث البنية المالية الرقمية، كان أبرزها السماح للمصارف والمؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية مثل “فيزا” و”ماستركارد”، في خطوة اعتبرها مختصون مؤشراً على بدء إعادة ربط سوريا تدريجياً بمنظومة المدفوعات الدولية.
كما شهدت البلاد توسعاً في خدمات المحافظ الرقمية وشركات الدفع الإلكتروني، إلى جانب محاولات لتطوير البنية التحتية الخاصة بالمدفوعات الإلكترونية، بالتوازي مع جهود تهدف إلى تقليص الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز الشمول المالي.
غير أن خبراء الاقتصاد والتكنولوجيا يشيرون إلى أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بمدى جاهزية البيئة الاقتصادية والاجتماعية لاستيعابه.
فبحسب بيانات وتقارير دولية حديثة، يمتلك السوريون قاعدة واسعة من مستخدمي الهواتف المحمولة، إلا أن تحديات تتعلق بجودة الإنترنت واستقرار الكهرباء والبنية التحتية الرقمية ما تزال تشكل عوائق أمام التوسع السريع للخدمات المالية الإلكترونية.
ويؤكد المهندس مالك رامز المسدي، الخبير في التحول الرقمي وتقنية البلوك تشين (Blockchain)، أن بناء اقتصاد رقمي ناجح يبدأ من الاستثمار في الإنسان والمعرفة قبل الاستثمار في التكنولوجيا نفسها.
ويقول المسدي لموقع سوريا 24 إن مثل هذه الندوات تمثل فرصة مهمة لتطوير قدرات الطلاب وإثراء معارفهم وربطهم بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية، مشيراً إلى أن الأنظمة التعليمية الحديثة لم تعد مطالبة فقط بتخريج حملة شهادات، بل بإعداد كوادر قادرة على فهم التطورات المتسارعة في الأسواق العالمية والتكنولوجيا المالية والاقتصاد الرقمي.
ويضيف أن الشهادة الجامعية لم تعد كافية بمفردها في سوق العمل الحديث، بل يجب أن تترافق مع فهم حقيقي للتقنيات الجديدة وأدوات الاقتصاد الرقمي، بما في ذلك أنظمة الدفع الإلكتروني وتقنيات البلوك تشين والتكنولوجيا المالية. لذلك، يرى أن توسيع نطاق الندوات والبرامج التدريبية المتخصصة أصبح ضرورة لتأهيل جيل جديد قادر على المساهمة في عملية التنمية الاقتصادية وإعادة بناء الاقتصاد السوري على أسس أكثر حداثة.
ويشير مختصون إلى أن التحول نحو المدفوعات الرقمية لا يعني فقط استبدال الأوراق النقدية بالهواتف الذكية أو البطاقات المصرفية، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التشريعات والأنظمة الرقابية والأمن السيبراني والثقة بالمؤسسات المالية والبنية التحتية للاتصالات والطاقة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن سوريا تمتلك اليوم فرصة حقيقية للاستفادة من التحولات العالمية في مجال التكنولوجيا المالية، خاصة مع الانفتاح التدريجي على شبكات الدفع الدولية وظهور شركات محلية متخصصة في الخدمات الرقمية.
إلا أن نجاح هذه التجربة سيبقى مرهوناً بقدرة المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية على العمل معاً لتجاوز التحديات التقنية والتنظيمية والثقافية التي ما تزال قائمة.
بالنسبة للمشاركين في ورشة جامعة حمص، فإن الدفع الإلكتروني ليس مجرد خدمة مالية جديدة، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء اقتصاد أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وهي مهمة لن تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بالاستثمار في المعرفة والبنية التحتية والثقة التي تشكل الأساس الحقيقي لأي تحول رقمي ناجح.
