للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل.. وقفة احتجاجية لعمال معمل “زنوبيا” في الكسوة

حجم الخط

يواصل عمال شركة زنوبيا في مدينة الكسوة بريف دمشق وقفتهم الاحتجاجية لليوم الثاني على التوالي، في خطوة يقول المشاركون فيها إنها جاءت احتجاجا على تدني الأجور وعدم تنفيذ وعود سابقة تتعلق بتحسين أوضاع العاملين وتوفير التأمين الصحي.

وبحسب بيانات صادرة عن لجنة المحتجين، شمل التوقف عن العمل عددا من منشآت الشركة، بينها معامل السيراميك والغرانيت والأدوات الصحية والكرتون واللاصق، فيما يؤكد العمال أن تحركهم يقتصر على المطالبة بحقوقهم العمالية والمعيشية ولا يحمل أي أبعاد سياسية.

وقال خليل المصري، أحد المتحدثين باسم الحملة، لـ”سوريا 24″، إن مطالبهم تتضمن زيادة الرواتب بما يتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، وتأمين الرعاية الصحية للعاملين، وتحسين ظروف العمل، وضمان احترام الحقوق العمالية داخل المنشآت التابعة للشركة.

وأشاروا إلى أن الأجور الحالية لا تتناسب مع حجم الأعباء المعيشية، موضحين أن اليومية التي يتقاضاها بعض العمال تبلغ نحو 50 ألف ليرة سورية، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعات متواصلة في الأسعار. ويرى العمال أن الأجور بقيت شبه ثابتة رغم التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.

وأضاف المصري أن لجنة الوقفة الاحتجاجية، التي تضم عددا من العمال بينهم جهاد الفرج وعبد الرحمن حلاوة وحافظ الفرج، تولت مهمة تمثيل العاملين والدفاع عن مطالبهم. وأشار إلى أن العمال يستغربون عدم انعكاس ارتفاع أسعار منتجات الشركة وتحسن مبيعاتها على أجور العاملين، مؤكدين أن دخولهم بقيت متدنية في وقت تتصاعد فيه تكاليف المعيشة بشكل مستمر، الأمر الذي عمق الفجوة بين ما يتقاضونه من أجور وما يحتاجونه لتأمين متطلبات الحياة الأساسية.

وفي بيانها الأول، أوضحت لجنة الوقفة أن قرار التوقف عن العمل جاء بعد عدم تنفيذ مطالب سبق أن جرى الاتفاق عليها خلال تحرك احتجاجي سابق، ولا سيما ما يتعلق بالتأمين الصحي وتحسين أوضاع العمال.

وأضاف البيان أن العمال يؤكدون احترامهم للدولة السورية ومؤسساتها، وأن مطالبهم موجهة حصرا إلى إدارة الشركة وأصحاب المنشأة بهدف الحصول على حقوقهم المشروعة وتحسين بيئة العمل.

وفي بيان ثان صدر مع دخول الاحتجاج يومه الثاني، أشار العمال إلى أنه جرى التوصل إلى اتفاق أولي يتضمن زيادة قدرها مليون ليرة سورية، إلا أنهم أكدوا استمرار الإضراب بانتظار صدور قرارات موثقة وموقعة تضمن تنفيذ المطالب المتفق عليها وتحفظ حقوق العاملين.

وقال العمال إنهم يتمسكون بالحصول على ضمانات مكتوبة وواضحة، مؤكدين أن تحسين الأجور وحده لا يكفي ما لم يترافق مع معالجة بقية القضايا المتعلقة بالتأمين الصحي وظروف العمل والحقوق المهنية.

ويؤكد عمال في الشركة أن مشكلاتهم لا تقتصر على معمل أو فرع واحد، بل تشمل مختلف منشآت زنوبيا في الكسوة وعدرا الصناعية، معتبرين أن عمال فرع الكسوة يعبرون عن مطالب شريحة واسعة من العاملين في مختلف معامل الشركة.

وقال أحد العمال المشاركين في الاحتجاج إن قرار التوقف عن العمل لم يكن خطوة مفاجئة، بل جاء بعد أشهر من المطالبات المتكررة للإدارة بتحسين الأجور وتأمين الرعاية الصحية للعاملين.

وأضاف أن العمال تلقوا أكثر من وعد خلال الفترة الماضية، سواء بزيادة الرواتب أو بتوفير الضمان الصحي، إلا أن تلك الوعود لم تنفذ على أرض الواقع، وفق قوله.

وأوضح أن العمال حاولوا اللجوء إلى الحلول الودية قبل التصعيد، قائلا: “طالبنا بحقوقنا مرة ومرتين وثلاث مرات، وفي كل مرة كنا نتلقى وعودا دون تنفيذ. وعدنا بالضمان الصحي وتحسين أوضاعنا، لكن شيئا لم يتغير، وبقيت المعاملة السيئة والمشكلات نفسها قائمة”.

وأشار إلى أن الاحتجاج جاء بعد استنفاد وسائل المطالبة السلمية، مؤكدا أن العمال حرصوا على أن يكون تحركهم منظما وسلميا، وأن يقتصر على المطالبة بحقوقهم المشروعة وتحسين ظروف العمل، دون الإضرار بالممتلكات أو تعطيل المنشآت خارج إطار الاحتجاج العمالي.

وختم بالقول: “لم نلجأ إلى التصعيد إلا بعد أن فقدنا الثقة بالوعود الشفوية، لذلك نطالب اليوم بقرارات مكتوبة وموثقة تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وتحفظ حقوق جميع العمال”.

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على واقع العمالة في القطاع الخاص السوري، حيث يشير عاملون وخبراء إلى وجود تحديات تتعلق بمستويات الأجور، والالتزام بالتأمينات الاجتماعية، والعقود العمالية، وآليات حماية حقوق العاملين. كما يطالب ناشطون عماليون بتطوير التشريعات الناظمة لعلاقة العامل بصاحب العمل وتعزيز آليات الرقابة والتفتيش بما يضمن تطبيق القوانين وحماية الحقوق العمالية.

وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، يواصل العمال احتجاجهم مؤكدين أنهم لن يعودوا إلى العمل قبل الاستجابة لمطالبهم بصورة واضحة وموثقة، بما يضمن لهم ما يصفونه بـ”العيش الكريم وظروف العمل اللائقة”.

ما الذي نعرفه عن معمل زنوبيا؟

تعد شركة زنوبيا من أكبر شركات مواد الإكساء الخاصة في سوريا، ولها منشآت في الكسوة وعدرا الصناعية بريف دمشق، وتنتج السيراميك والغرانيت والأدوات الصحية واللواصق ومواد العزل والكرتون وأنابيب البلاستيك وغيرها. وتقدم نفسها كشركة رائدة في قطاع مواد البناء والإكساء.

وتسلط قضية عمال زنوبيا الضوء على إشكالية أوسع تتجاوز حدود الشركة نفسها، إذ تعكس جانبا من واقع العمالة في القطاع الخاص السوري. فبينما ينص القانون على حقوق واضحة للعامل، تشمل الأجر العادل والتأمينات الاجتماعية والرعاية الصحية وشروط السلامة المهنية، يشكو عمال في العديد من المنشآت من تدني الأجور وضعف الحماية الاجتماعية وغياب آليات فعالة لمحاسبة المخالفين.

ويقول عمال تحدثنا إليهم إن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية بقدر ما تكمن في ضعف تنفيذها على أرض الواقع، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الحقوق التي يكفلها القانون والظروف التي يعيشها العامل فعليا. وفي ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة، باتت هذه الفجوة أكثر وضوحا، لتتحول مطالب العمال من تحسين الأجور فقط إلى المطالبة بضمانات حقيقية تكفل تطبيق الحقوق المنصوص عليها قانونا.