أثارت شكاوى طلاب الشهادة الثانوية حول صعوبة امتحان الرياضيات للفرع العلمي، السبت، نقاشاً واسعاً في عدد من المناطق السورية، وسط مطالبات بمراجعة مستوى الأسئلة ودعوات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للتخفيف من آثار الامتحان.
وفي مواجهة هذه الانتقادات، دافع وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو عن آلية إعداد الأسئلة، مؤكداً أن الوزارة تعتمد قوالب امتحانية محددة أُعلنت منذ بداية العام الدراسي، وأن نصف الأسئلة مصنف ضمن المستوى السهل.
وبينما كانت وزارة التربية تقدم قراءتها الرسمية للامتحان، كانت صورة مختلفة تتشكل خارج المراكز الامتحانية، حيث انشغل الطلاب والمعلمون بمناقشة مستوى الأسئلة ومدى ملاءمتها لمختلف مستويات المتقدمين.
امتحان “النكشات”
في درعا، تحول الامتحان سريعاً إلى محور للنقاش بين الطلاب والمعلمين، فبينما خرج بعض الطلاب منشغلين بحساب العلامات التي قد يحصلون عليها، بدا آخرون أكثر قلقاً بشأن ما إذا كانوا تمكنوا أصلاً من استكمال جميع المسائل المطلوبة.
وقال الطالب محمود لموقع سوريا 24 إن الامتحان تضمن ما وصفه الطلاب بـ”النكشات”، وهو التعبير الذي يستخدمه طلاب الثانوية للإشارة إلى الأسئلة التي تعتمد على تفاصيل دقيقة أو أفكار غير متوقعة.
وأضاف أن “الطالب الممتاز بالكاد يستطيع ضمان النجاح”، في توصيف يعكس حجم الصدمة التي تحدث عنها عدد من المتقدمين.
وتركزت شكاوى عدد من الطلاب على السؤال الأول، ولا سيما الفقرات المؤتمتة التي رأوا أنها تختلف عن الأنماط التي اعتادوا عليها خلال العام الدراسي. وبحسب شهاداتهم، فإن هذا السؤال كان كافياً لإدخال كثيرين في حالة من التوتر منذ الدقائق الأولى للامتحان.
وقالت الطالبة رؤيا إنها تمكنت من الإجابة على معظم الأسئلة، لكنها خرجت بانطباع أن الامتحان كان “صعباً وكثيفاً ويحتاج إلى تفكير مستمر”، مضيفة أن معظم الأسئلة كانت إجبارية وشملت أجزاء واسعة من المنهاج. ووفقاً لرؤيا، فإن بعض المسائل بدت أقرب إلى مستوى السنوات الجامعية الأولى منها إلى امتحان شهادة ثانوية.
وأشار طلاب آخرون إلى أن جزءاً مهماً من الأسئلة استند إلى الوحدات الأخيرة من المنهاج، وهي وحدات قال بعضهم إن ضيق الوقت بين الامتحانات لم يسمح بمراجعتها بصورة كافية. فيما رأى آخرون أن المشكلة لم تكن في الأفكار الرياضية نفسها، بل في عدد الخطوات المطلوبة للوصول إلى الحل ضمن الزمن المحدد.
ولم تقتصر هذه الانطباعات على الطلاب، فقد وصف مدرس رياضيات، فضل عدم الكشف عن اسمه، الامتحان بأنه من أصعب النماذج التي اطلع عليها خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن بعض الأسئلة لم تراعِ الفروقات بين مستويات الطلاب بالقدر الكافي. وأضاف أن الامتحانات لطالما تضمنت مسائل مخصصة لتمييز المتفوقين، “لكن ليس إلى درجة يصبح معها النجاح هاجساً حتى لدى الطلاب الأقوياء”.
حالات إغماء في صفوف الطلاب
غير أن الجدل لم يبقَ محصوراً في درعا. ففي دمشق وحلب ومناطق أخرى خضعت للنموذج الامتحاني نفسه، بدت ردود الفعل أكثر حدة. وبحسب ما رصده موقع “سوريا 24”، تحدث طلاب في دمشق ومنبج عن صعوبة الأسئلة وكثافة المطلوب، معتبرين أن الوقت المتاح لم يكن متناسباً مع حجم الحلول المطلوبة.
كما تداول طلاب وناشطون مقاطع مصورة وشهادات من أمام عدد من المراكز الامتحانية أظهرت حالات بكاء وإغماء بين بعض المتقدمين عقب انتهاء الاختبار. ومع اتساع دائرة الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت دعوات تطالب بمراجعة مستوى الأسئلة أو اتخاذ إجراءات استثنائية للتخفيف من آثار الامتحان، فيما طالب بعض الطلاب والأهالي بتنظيم دورة تكميلية، معتبرين أن صعوبة الورقة قد تنعكس على نتائج أعداد كبيرة من المتقدمين.
التربية: 50% من الأسئلة سهلة
وفي خضم هذه الانتقادات، قال وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، خلال جولة تفقدية شملت عدداً من المراكز الامتحانية، إن الوزارة تعتمد معايير وقوالب محددة في إعداد الامتحانات، مشيراً إلى أن النماذج الامتحانية أُعلنت منذ بداية العام الدراسي.
وأضاف أن الأسئلة “اختيارية كلها وتحتاج إلى بعض التركيز من الطلاب”، مؤكداً أن توزيع مستويات الصعوبة يعتمد معياراً محدداً يتمثل في أن تكون 50 في المئة من الأسئلة سهلة، و25 في المئة متوسطة، و25 في المئة صعبة. واعتبر أن الامتحانات تُبنى وفق معايير موحدة تهدف إلى مراعاة مختلف مستويات الطلاب وتحقيق العدالة في التقييم.
الامتحان.. نموذجي
أما في إدلب، حيث خضع الطلاب لنموذج امتحاني مختلف، فقد بدت الآراء أكثر تبايناً. فبينما اعتبر بعض الطلاب أن الأسئلة كانت صعبة وشاملة لمعظم وحدات المنهاج، رأى آخرون أنها بقيت ضمن الحدود المتوقعة للطالب الذي استعد جيداً للمادة.
وقالت الطالبة غزل الحلاق إن الوقت لم يكن كافياً لإنجاز جميع المسائل، مشيرة إلى أن الأسئلة كانت متنوعة وشاملة لجميع الوحدات، وإن التوتر داخل القاعة أثر على أداء عدد من الطلاب. في المقابل، رأت الطالبة لميس أن الأسئلة كانت واضحة من حيث الصياغة، وأن الصعوبة تركزت في بعض المسائل التي احتاجت إلى تركيز ووقت إضافيين أكثر من غيرها.
ومن جهته، اعتبر مدرس الرياضيات محمد الدغيم أن الأسئلة جاءت واضحة وشاملة، وراعت مستويات مختلفة من الطلاب، موضحاً أن وجود مسائل تتطلب تفكيراً أعمق لا يخرج عن طبيعة امتحانات الشهادة الثانوية التي تهدف إلى التمييز بين مستويات التحصيل المختلفة.
ويأتي هذا الجدل في سياق دورة امتحانية تشهد استمرار العمل بأربعة نماذج امتحانية مختلفة على مستوى البلاد، تشمل نموذج إدلب وريفها، ونموذج ريف حلب الشمالي، ونموذج مناطق شمال شرقي سوريا التي كانت خاضعة سابقاً للإدارة الذاتية، إضافة إلى النموذج المعتمد في المحافظات التي كانت تتبع وزارة التربية في دمشق سابقاً.
هل وفرت النماذج الامتحانية فرصاً متكافئة لجميع الطلاب؟
وقد دفع ذلك الطلاب والمعلمين إلى إجراء مقارنات واسعة بين الأسئلة المتداولة في المناطق المختلفة، بحثاً عن إجابة لسؤال يتكرر بعد كل امتحان: إلى أي مدى كانت فرص الطلاب متكافئة؟
ورغم تباين التقييمات، تكشف ردود الفعل التي رافقت امتحان الرياضيات هذا العام حجم القلق الذي يحيط بالمادة الأكثر حساسية بالنسبة إلى آلاف الطلاب الساعين إلى مقاعد الجامعات. ففي نهاية المطاف، لا يقاس الامتحان بعدد المسائل التي تضمنها فحسب، بل بالأثر الذي يتركه في نفوس من يرون فيه محطة قد ترسم ملامح مستقبلهم الأكاديمي.