في أطراف مدينة الطبقة بريف الرقة، وبين أحياء لا تزال تحمل آثار سنوات الحرب والتغيرات الاجتماعية القاسية، تبدأ أم مدين يومها مبكراً أمام مشروع صغير للألبان، تحاول من خلاله تثبيت حياة جديدة لم تكن سهلة ولا مستقرة. بين أوعية الحليب ومعدات بسيطة، تُختصر رحلة طويلة من المخيم إلى الاستقرار النسبي، ومن العزلة إلى محاولة الاندماج من جديد داخل مجتمع لا يزال يتعامل بحذر مع العائدين من مخيم الهول.
قصة أم مدين واحدة من عشرات القصص لنساء عدن من المخيم خلال السنوات الماضية، يحملن معهن تجارب ثقيلة وظروفاً معقدة، ويجدن أنفسهن أمام واقع جديد لا يرحم: غياب الدخل، وصعوبة السكن، وضعف الخدمات، وتحديات اجتماعية مرتبطة بالوصمة والنظرة المجتمعية، إضافة إلى ملفات قانونية وإدارية تتعلق بالأوراق الثبوتية والتعليم.
ورغم كل ذلك، اختارت أم مدين أن تبدأ من نقطة شبه معدومة، محاولةً تحويل خبرة بسيطة إلى مصدر رزق يخفف عنها وعن أطفالها وطأة الحياة اليومية.
عودة بلا بداية واضحة
أمضت أم مدين نحو عامين ونصف العام داخل مخيم الهول، في ظروف وصفتها بالقاسية، حيث تداخلت صعوبات الحياة اليومية مع غياب الاستقرار والخدمات الأساسية. ومع عودتها إلى مدينة الطبقة ضمن دفعات من العائدين بكفالات محلية، اصطدمت بواقع مختلف تماماً عما كانت تتوقعه.
لا منزل جاهز، ولا مصدر دخل، ولا شبكة اجتماعية يمكن الاعتماد عليها، حتى الأطفال واجهوا صعوبات تتعلق بالتعليم والوثائق الرسمية.
تقول أم مدين لـ”سوريا 24”:
“عدت إلى مدينة لا أعرف فيها أحداً… بلا بيت ولا عمل ولا أي مصدر دخل”.
هذه البداية لم تكن مجرد صعوبة اقتصادية، بل حالة من الارتباك النفسي والاجتماعي، حيث يجد العائد نفسه بين الحاجة إلى إعادة بناء حياته، وبين نظرة مجتمع لم ينسَ بعد خلفيات التجربة التي مر بها.
العمل الزراعي… أول خطوة للبقاء
في الأشهر الأولى بعد العودة، لجأت أم مدين إلى العمل في الزراعة، وهو خيار متاح لكنه مرهق ولا يوفر استقراراً كافياً. كانت تعمل بشكل يومي لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرتها، في ظل ارتفاع التكاليف وضعف الفرص.
لكن هذا العمل لم يكن نهاية الطريق، بل مرحلة مؤقتة فرضتها الظروف، قبل أن تعود إلى مهارة قديمة تعلمتها قبل سنوات: صناعة الألبان والأجبان.
العودة إلى مهارة قديمة وبداية مشروع صغير
بدافع الحاجة، بدأت أم مدين تجربة بسيطة داخل منزلها. اشترت كميات محدودة من الحليب، وبدأت بإنتاج اللبن والجبنة بوسائل بدائية، دون تجهيزات متقدمة أو أدوات إنتاج حديثة.
كانت العملية بطيئة، والإنتاج محدوداً، والتسويق يعتمد على محيط ضيق جداً من المعارف والجيران. ومع ذلك، استمرت في العمل رغم التحديات اليومية التي كانت تشمل ارتفاع أسعار المواد الأولية وصعوبة التوسع.
ومع مرور الوقت، بدأت هذه المحاولة الصغيرة تتحول إلى مصدر دخل أكثر استقراراً، وإن كان محدوداً.
الدعم النفسي… نقطة تحول غير متوقعة
لم يكن التحول في حياة أم مدين اقتصادياً فقط، بل نفسياً أيضاً. فخلال فترة لاحقة، شاركت في جلسات دعم نفسي وتوعية نظمتها منظمات محلية تستهدف العائدين من مخيم الهول.
هذه الجلسات، التي شملت أيضاً لقاءات دمج اجتماعي ونقاشات حول حل النزاعات، شكلت مساحة مختلفة بالنسبة لها، أتاحت لها التعبير عن تجربتها والتواصل مع نساء أخريات يمررن بظروف مشابهة.
تقول:
“في تلك الجلسات شعرت أنني لست وحدي… وأن هناك من يمر بما أمر به. هذا الشيء أعاد لي القدرة على الاستمرار”.
هذا النوع من الدعم، رغم بساطته، ساعد في تخفيف الشعور بالعزلة، وفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة بالنفس، وهي خطوة أساسية في أي محاولة للاندماج الاجتماعي.
دعم محدود… أثر يتجاوز حجمه
لاحقاً، حصلت أم مدين على دعم بسيط من إحدى المنظمات، لم يكن كبيراً من حيث القيمة، لكنه كان كافياً لإحداث فرق عملي في الإنتاج. وتمكنت من شراء بعض المعدات الأساسية التي حسنت جودة العمل وساهمت في زيادة الكميات المنتجة.
وانعكس هذا التحسن مباشرة على قدرتها على البيع، حيث بدأت بتسويق منتجاتها داخل مدينة الطبقة، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى زبائن أكثر.
ومع الوقت، توسع نطاق العمل ليشمل اللبن والجبنة والسمن العربي، وأصبح المشروع مصدر دخل أكثر انتظاماً مقارنة بالمراحل السابقة.
بين الاقتصاد والاندماج الاجتماعي
تجربة أم مدين لا تتعلق فقط بمشروع فردي، بل تعكس جانباً أوسع من واقع العائدات من مخيم الهول، حيث تبرز الحاجة إلى برامج دعم تتجاوز المساعدات المادية، لتشمل التمكين النفسي والاقتصادي وإعادة الدمج الاجتماعي.
فالعمل، بالنسبة لكثير من النساء، لا يمثل فقط دخلاً مادياً، بل وسيلة لإثبات الذات وإعادة بناء موقع اجتماعي داخل مجتمع لا يزال يتعامل بحذر مع هذه الفئة.
تقول أم مدين لـ”سوريا 24”:
“لو كان هناك دعم بسيط لكل امرأة لديها خبرة، لكان بإمكان الكثيرات أن يبدأن حياة جديدة أفضل”.
عودة إلى الحياة من جديد
من خيمة في مخيم الهول إلى مشروع ألبان صغير في مدينة الطبقة، تمثل رحلة أم مدين قصة تحول هادئ، لكنه عميق، بين واقع قاسٍ ومحاولة مستمرة لإعادة بناء الحياة.
قصة لا تقدم إجابات نهائية، لكنها تفتح نافذة على إمكانية التغيير، حين تتقاطع الإرادة الفردية مع دعم محدود، في سياق اجتماعي لا يزال يبحث عن توازن جديد بين الماضي والحاضر.

