مفتي سوريا: العدالة الانتقالية مسار الدولة والثأر الفردي يهدد السلم الأهلي

حجم الخط

شدد المفتي العام للجمهورية العربية السورية، الشيخ أسامة الرفاعي، على أهمية الحفاظ على الاستقرار المجتمعي وتجنب أي ممارسات قد تؤدي إلى تأجيج التوترات، مؤكداً أن محاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات يجب أن تتم حصراً عبر مؤسسات الدولة والجهات القضائية المختصة.

وجاءت تصريحات الرفاعي في كلمة مصورة بثها مجلس الإفتاء الأعلى اليوم الجمعة 19 حزيران، تزامناً مع تنامي المطالب الشعبية في عدد من المناطق السورية بالإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال عهد النظام البائد.

وأوضح المفتي العام أن المطالبة بالعدالة وإنصاف الضحايا تمثل حقاً مشروعاً لا خلاف عليه، غير أن الوصول إلى هذه الغاية يقتضي الالتزام بالأطر القانونية والمؤسساتية، بعيداً عن أي تحركات غير منظمة أو محاولات لاستيفاء الحقوق خارج سلطة الدولة. كما أشار إلى أن السوريين عانوا لعقود طويلة من سياسات القمع والظلم والانتهاكات التي مارسها النظام السابق وأجهزته والقوى المرتبطة به، الأمر الذي يجعل من الحكمة والتروي ضرورة وطنية في هذه المرحلة الحساسة.

وفي هذا السياق، نبه الرفاعي إلى أن أي تصرفات فردية أو جماعية تخرج عن القانون قد تفضي إلى نتائج خطيرة تمس الأمن المجتمعي وتفتح المجال أمام الفتن، مؤكداً أن مؤسسات الدولة تتحمل مسؤولية تطبيق القانون وملاحقة المتهمين واستكمال مسارات المحاسبة وفق الإجراءات القضائية المعتمدة.

كما جدد مجلس الإفتاء الأعلى نشر فتواه الصادرة في 6 حزيران/يونيو 2025 بشأن حكم الثأر والانتقام، في خطوة جاءت على خلفية الدعوات المتداولة إلى الافتئات على الدولة أو تنفيذ أعمال انتقامية خارج إطار القضاء.

وأكدت الفتوى أن الاعتداء على الدماء والأموال والأعراض يعد من أعظم صور الظلم، وأن من حق المظلومين المطالبة بالقصاص واسترداد حقوقهم بالوسائل الشرعية والقانونية. وفي المقابل، أوضحت أن استيفاء الحقوق وتنفيذ العقوبات من اختصاص القضاء والسلطات المختصة وحدها، محذرة من الاعتماد على الشائعات أو الاتهامات غير المثبتة في توجيه الأحكام أو تنفيذ العقوبات.

وعلاوة على ذلك، بيّنت الفتوى أن الثأر والانتقام خارج سلطة القانون محرمان شرعاً، لما يترتب عليهما من نشر للفوضى وإثارة للأحقاد وتهديد للسلم الأهلي. كما أكدت أن الشريعة الإسلامية نهت عن الغلو والإفراط في العقوبة، وطالبت الجهات المعنية بتسريع إجراءات العدالة ومحاسبة المجرمين وإعادة الحقوق إلى أصحابها بما يعزز الاستقرار ويصون وحدة المجتمع.

ويُذكر أن عدداً من المحافظات السورية شهد خلال الأيام الماضية احتجاجات ووقفات شعبية، من بينها إدلب وحلب ودير الزور وريف دمشق، رفعت مطالب تتعلق بتسريع تطبيق العدالة الانتقالية واستكمال ملاحقة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها قوات وعناصر نظام الأسد خلال سنوات الثورة.

وركز المحتجون على ضرورة إنصاف الضحايا وكشف مصير المفقودين وعدم السماح بإفلات أي مسؤول عن الانتهاكات من المساءلة القانونية، معتبرين أن تحقيق العدالة الانتقالية يشكل أحد المرتكزات الأساسية لترسيخ الاستقرار وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.