تشهد محافظة درعا مؤشرات إيجابية على تعافي قطاع تربية النحل بعد سنوات طويلة من التراجع الذي فرضته الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة، في وقت يأمل فيه النحالون أن يشكل الموسم الحالي نقطة تحول تعيد لهذا القطاع الحيوي جزءاً من مكانته السابقة.
ويقول محمود تركي محمود، صاحب مناحل في قرية معرية التابعة لناحية الشجرة في منطقة وادي اليرموك غربي درعا، إن القطاع بدأ يشهد “تعافياً تدريجياً يعيد الأمل إلى المربين بعد سنوات قاسية أنهكت مربي النحل وأجبرت الكثير منهم على ترك المهنة”.
ورغم أن منطقة وادي اليرموك تُعد من أكثر المناطق ملاءمة لتربية النحل، نظراً لما تتمتع به من تنوع نباتي واسع، وانتشار النباتات الطبية وأشجار الكينا والمراعي الطبيعية الغنية التي توفر مصدراً مهماً للرحيق وحبوب اللقاح، إلا أن تربية النحل شهدت تراجعاً خلال السنوات الماضية، ويأمل المربون اليوم أن يعوضوا شيئاً من خسارتهم في السنوات الماضية.
وبحسب تقديرات النحالين، تجاوز عدد خلايا النحل في محافظة درعا خلال العام الماضي 12 ألف خلية موزعة على أكثر من 500 مربٍ، مع توقعات بارتفاع هذه الأعداد خلال السنوات المقبلة مع تحسن الظروف الأمنية وعودة عدد من المربين إلى ممارسة مهنتهم بعد فترات من النزوح أو التوقف القسري.
إنتاج أقل من مستويات ما قبل الحرب
ورغم التحسن النسبي، ما يزال إنتاج العسل بعيداً عن مستوياته السابقة. ويشير محمود إلى أن متوسط إنتاج الخلية الواحدة يتراوح بين 5 و10 كيلوغرامات سنوياً بحسب وفرة المراعي ومستوى العناية بالخلايا.
أما على مستوى سوريا، فيُقدّر الإنتاج السنوي الحالي بين 1500 و2000 طن، بينما كان الإنتاج سنوياً قبل عام 2011 بين 3500 طن و4 آلاف طن.
وفي محافظة درعا وحدها، كان الإنتاج السنوي قبل الثورة يتراوح بين 35 و40 طناً من العسل، وهو رقم يأمل النحالون الاقتراب منه تدريجياً خلال المواسم المقبلة إذا استمرت الظروف المناخية المناسبة.
أمطار الموسم تنعش الآمال
ويرى مربو النحل أن الأمطار التي شهدتها البلاد هذا العام تمثل عاملاً أساسياً في نجاح الموسم، بعد سنوات من الجفاف أثرت بشكل مباشر على الغطاء النباتي وإنتاجية الخلايا.
ويؤكد محمود أن تحسن نمو النباتات الرحيقية نتيجة الأمطار ينعكس مباشرة على كمية العسل وجودته، مشيراً إلى أن توسع زراعة محاصيل مثل اليانسون وحبة البركة في أرياف دمشق وحمص وحماة، إلى جانب تحسن المراعي الجبلية بفعل الأمطار والثلوج، يمنح النحالين مؤشرات مشجعة لموسم أفضل من الأعوام السابقة.
تكاليف مرتفعة وعائد محدود
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه مربو النحل تحديات اقتصادية كبيرة تجعل من الاستمرار في المهنة أمراً بالغ الصعوبة.
ويقول محمود إن تكاليف الإنتاج ارتفعت بشكل غير مسبوق، موضحاً أن نقل 40 خلية نحل بين المحافظات قد يكلف نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية ذهاباً وإياباً، أي ما يعادل 80 ألف ليرة للخلية الواحدة، فضلاً عن تكاليف الإطارات الخشبية والشمع والأدوية والملابس الوقائية وغيرها من المستلزمات الأساسية.
كما يشكو النحالون من الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على مستلزمات الإنتاج المستوردة، والتي لا يمكن الاستغناء عنها للحفاظ على صحة الخلايا وإنتاجيتها.
ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، إذ تشمل أيضاً شراء الأدوية الوقائية والعلاجية بشكل دوري، واستبدال الملكات التي تجاوزت عمرها الإنتاجي، إضافة إلى تكاليف التنقل المستمرة بين المحافظات لمتابعة المناحل على مدار العام.
العسل المغشوش يهدد القطاع
من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع حالياً انتشار العسل المغشوش في الأسواق المحلية، وهو ما ينعكس سلباً على سمعة المنتج الوطني وثقة المستهلكين.
ويشير نحالون تحدثنا إليهم إلى وجود تفاوت كبير في الأسعار، حيث يباع العسل السكري أو المغشوش بأسعار تبدأ من 50 ألف ليرة للكيلوغرام، في حين قد يصل سعر بعض أنواع العسل المستورد، مثل عسل السدر، إلى نحو 500 ألف ليرة.
أما العسل الطبيعي المنتج محلياً، فيتراوح سعر الكيلوغرام منه بين 150 و200 ألف ليرة للمستهلك، وبين 100 و120 ألف ليرة في أسواق الجملة.
ويحذر محمود من أن انخفاض العائد الاقتصادي دفع بعض النحالين إلى خلط العسل الطبيعي بالعسل السكري بهدف تخفيض التكاليف وتحقيق هامش ربح يسمح لهم بالاستمرار، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل خطراً حقيقياً على سمعة العسل السوري ومستقبل القطاع بأكمله.
مطالب بالدعم والتنظيم
ويعزو النحالون عدم تناسب أسعار العسل مع تكاليف إنتاجه إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف النقل والرسوم الجمركية، والمنافسة غير العادلة مع المنتجات المغشوشة والمستوردة، وضعف التسويق والتنظيم، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين الذين بات العسل بالنسبة لكثير منهم سلعة يصعب الحصول عليها في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
ويؤكد مربو النحل أن القطاع يحتاج إلى دعم حكومي فعلي يشمل تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج، ومكافحة الغش التجاري، وتنظيم عمليات التسويق، بما يضمن حماية المنتج المحلي وتحسين دخل العاملين في هذا المجال.
بين الأمل والتحديات
ورغم الصعوبات الاقتصادية المتراكمة، يرى نحالو درعا أن الموسم الحالي يحمل مؤشرات واعدة على تعافي القطاع، مدفوعاً بتحسن المراعي وعودة الاستقرار النسبي إلى المنطقة.
لكن هذا التعافي، بحسب النحالين، سيبقى هشاً ما لم ترافقه إجراءات حقيقية لدعم المنتجين وضبط الأسواق ومكافحة الغش، بما يضمن استعادة العسل السوري مكانته المعروفة وجودته التي اشتهر بها لعقود طويلة.
