عند مدخل قسم القسطرة في مشفى ابن الوليد، تجلس عائلات الأطفال بانتظار خروج أبنائها من غرف العمليات. بعضهم قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى حمص، حاملاً ملفات طبية أثقلتها سنوات من الانتظار، فيما يراقب آخرون أبواب القسم بأمل أن تنتهي معاناة بدأت منذ الولادة.
في هذا المشفى الواقع وسط المدينة، انطلقت حملة تخصصية لعلاج الأطفال المصابين بالتشوهات القلبية الخلقية عبر القسطرة التداخلية، بمشاركة أطباء سوريين قدموا من الخارج إلى جانب كوادر محلية، وبدعم من وزارة الصحة.
وتستهدف الحملة عشرات الأطفال الذين كانوا ينتظرون الحصول على هذا النوع من التدخلات الطبية الدقيقة، في ظل محدودية المراكز المتخصصة وارتفاع تكاليف العلاج.
وتأتي المبادرة في وقت لا يزال فيه القطاع الصحي السوري يواجه تحديات كبيرة نتيجة سنوات من الحرب والاستنزاف، خاصة في الاختصاصات الدقيقة التي تأثرت بنقص التجهيزات وهجرة الكفاءات الطبية.
وتبدو هذه الفجوة أكثر وضوحاً في مجال طب قلب الأطفال، الذي يحتاج إلى أجهزة متطورة وخبرات متخصصة يصعب توفيرها بشكل دائم في العديد من المحافظات.
ويقول الدكتور عمر أوغلو، طبيب قلب الأطفال والقسطرة التداخلية القادم من تركيا، لموقع سوريا 24 إن الحملة تمثل امتداداً لجهود بدأت العام الماضي بالتعاون مع وزارة الصحة وجهات داعمة، موضحاً أن العمل انطلق أولاً في دمشق قبل توسيعه إلى حمص بعد استكمال التجهيزات اللازمة لاستقبال هذا النوع من الإجراءات العلاجية.
ويشير إلى أن المرحلة الحالية تركز على إجراء عمليات القسطرة للأطفال الذين جرى تقييم حالاتهم مسبقاً، موضحاً أن النتائج تظهر في كثير من الحالات بشكل سريع، من خلال تحسن مستويات الأكسجة ووظائف القلب، ما ينعكس مباشرة على صحة الطفل وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية.
في المقابل، يؤكد الدكتور محمود الصوفي، استشاري قلب الأطفال والقسطرة التداخلية القادم من الإمارات العربية المتحدة، لموقع سوريا 24 أن الحملة استجابت لحاجة متزايدة تراكمت خلال السنوات الماضية، نتيجة محدودية الخدمات التخصصية مقارنة بعدد المرضى المحتاجين للعلاج.
ويضيف أن اختيار حمص جاء نظراً لموقعها الجغرافي وقدرتها على استقبال مرضى من مختلف المحافظات السورية، مشيراً إلى أن أهمية هذه المبادرات لا تقتصر على إجراء العمليات العلاجية، بل تشمل أيضاً نقل الخبرات وتدريب الكوادر المحلية، بما يسهم في تعزيز قدرة المؤسسات الصحية على تقديم هذه الخدمات مستقبلاً بصورة أكثر استدامة.
وفي إحدى زوايا القسم، تنتظر إيمان العيسى انتهاء العملية الجراحية لطفلها، متحدثة عن سنوات من المراجعات الطبية والقلق المستمر الذي رافق العائلة منذ اكتشاف المرض، مؤكدة لموقع سوريا 24 أن الحصول على فرصة للعلاج داخل البلاد خفف عبئاً نفسياً ومادياً كبيراً عن الأسرة.
وتعكس هذه الحملة جانباً من الاحتياجات الصحية الملحة في حمص وسوريا عموماً، حيث لا تزال المشافي بحاجة إلى مزيد من التجهيزات والكوادر المتخصصة والخدمات العلاجية المتقدمة.
وبينما تمنح عمليات القسطرة أملاً مباشراً لعشرات الأطفال، يرى أطباء مشاركون أن التحدي الأهم يبقى في تحويل هذه المبادرات من حملات مؤقتة إلى خدمات تخصصية دائمة تضمن وصول المرضى إلى العلاج دون سنوات من الانتظار.
