تشهد دمشق وريفها توسعاً ملحوظاً في مشاريع زراعة العشب الطبيعي، المعروف محلياً باسم “الغازون”، في خطوة تعكس تنامي المبادرات الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة التي تستهدف إعادة تأهيل الحدائق والساحات العامة والمرافق الحكومية والخاصة، بالتوازي مع توفير فرص عمل لعشرات العمال والعاملات.
ويُعد “الغازون رول” من أهم عناصر تنسيق الحدائق والمساحات المفتوحة، إذ يسهم في تحسين المظهر الحضاري للمناطق السكنية والمنشآت العامة، كما يساعد في الحد من الغبار وخفض درجات الحرارة في محيطه، فضلاً عن دوره في تعزيز المساحات الخضراء التي تراجعت خلال سنوات الحرب.
وأوضح المهندس الزراعي خالد أحمد، صاحب أحد المشاريع العاملة في هذا المجال والعائد من لبنان إلى سوريا للاستثمار في القطاع الزراعي، في حديث خاص لـ”سوريا 24”، أن المشروع يعتمد على زراعة أنواع متعددة من العشب الطبيعي تتناسب مع طبيعة المناخ في المناطق السورية المختلفة.
وقال أحمد إن المشروع يزرع نوعين رئيسيين من الغازون؛ الأول “البوفالو” ذو الأوراق العريضة والمنشأ الأمريكي، والثاني نوع جبلي ناعم مناسب للمناطق الباردة ويُزرع من بذور دنماركية، مشيراً إلى أن العمل لا يقتصر على زراعة العشب فقط، بل يشمل أيضاً تصميم الحدائق وأعمال الديكور والتزيين والتركيب والصيانة.
وأضاف أن المشروع نفذ أعمال تعشيب واسعة في عدد من المواقع الحيوية، من بينها معبر نصيب الحدودي بمساحة تقارب أربعة آلاف متر مربع، إلى جانب مواقع على طريق مطار دمشق الدولي، ومحيط مطار دمشق الدولي، والقصر الجمهوري، إضافة إلى مشاريع أخرى في محافظة الحسكة.
ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على الجانب الجمالي والبيئي، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي والاجتماعي. فبحسب أحمد، شهدت الأشهر الأولى بعد التحرير نشاطاً كبيراً في العمل، حيث وفر المشروع فرصاً يومية لما يقارب 250 عاملة وعاملاً في أعمال الزراعة والنقل والري والصيانة وقص العشب.
وأوضح أن وتيرة العمل استقرت لاحقاً مع توسع المشاريع وتنظيم فرق العمل، ليعمل حالياً نحو 30 عاملاً بشكل ثابت ضمن المشروع، إضافة إلى فرق ميدانية تضم قرابة 15 عاملاً يومياً، يتم توزيعهم على مواقع التنفيذ المختلفة.
وأشار المهندس خالد أحمد إلى أن أسعار العشب الطبيعي تختلف بحسب النوع والخدمات المرافقة له، موضحاً أن تكلفة المتر المربع من الغازون، مع التوصيل والتركيب والتجهيز الكامل، تبلغ نحو 6.5 دولارات أمريكية، بينما تنخفض الكلفة عند شراء العشب دون خدمات التركيب. ويشمل السعر أعمال النقل والفرش والتثبيت والتنسيق الأولي، ما يجعل المشروع خياراً متكاملاً للراغبين في تأهيل الحدائق والمساحات الخضراء في المنازل والمنشآت العامة والخاصة.
ويرى أحمد أن الإقبال على هذه المشاريع ازداد خلال الفترة الأخيرة مع تنامي الاهتمام بإعادة تأهيل الحدائق والساحات العامة والمرافق الحكومية، إضافة إلى توجه العديد من أصحاب المنازل والمنشآت الخاصة لتحسين المشهد الجمالي لممتلكاتهم، الأمر الذي انعكس على حجم الطلب وساهم في توسيع فرص العمل التي يوفرها القطاع.
وتحمل مشاريع تنسيق الحدائق وزراعة المساحات الخضراء قيمة مضاعفة في مرحلة إعادة الإعمار؛ فهي، من جهة، تسهم في تحسين البيئة الحضرية وإعادة الحياة إلى المرافق العامة، ومن جهة أخرى، تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات الزراعة والري والنقل والتصميم والصيانة.
كما تشكل هذه المبادرات نموذجاً للاستثمارات الإنتاجية التي يمكن أن تستوعب أعداداً من العائدين إلى سوريا، وتساعد في تنشيط سوق العمل المحلي، خصوصاً أن هذا القطاع يعتمد بشكل كبير على الأيدي العاملة والخبرات الفنية أكثر من اعتماده على التقنيات المعقدة أو رؤوس الأموال الضخمة.
ومع تزايد الاهتمام بإعادة تأهيل الحدائق والساحات العامة والمنشآت الحكومية والخاصة، تبدو مشاريع زراعة الغازون مرشحة للتوسع خلال السنوات المقبلة، لتصبح جزءاً من الجهود الرامية إلى استعادة المظهر الحضاري للمدن السورية، وإيجاد فرص اقتصادية جديدة تسهم في دعم الاستقرار وتحسين الواقع المعيشي للسكان.
