منذ أكثر من عقد، يعيش سكان مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي على إيقاع أزمة مياه متواصلة، تحولت خلالها الصهاريج من حل إسعافي إلى المصدر الرئيسي لمياه الشرب. فمع توقف خط الضخ الرئيسي الذي كان يغذي المدينة، بات عشرات آلاف السكان يعتمدون على الآبار المحدودة الإنتاج والمياه المنقولة بالصهاريج، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية التي لم تستعد عافيتها حتى اليوم.
وتشير وثائق صادرة عن المجلس المحلي إلى أن أزمة ضخ المياه رافقت المدينة منذ سنوات، مع محاولات متكررة لتنظيم الضخ، وتسعير الصهاريج، وإعادة تشغيل الشبكة، دون التوصل إلى حل دائم.
ويقول المواطن محمد محيي الدين، في حديثه لـ”سوريا 24”، إن الأزمة لم تعد مرتبطة بندرة المياه، وإنما بغياب إعادة تشغيل المشاريع الاستراتيجية التي كانت تؤمن احتياجات المدينة قبل عام 2011، مؤكداً أن “دارة عزة لا تحتاج إلى حلول ترقيعية أو إلى المزيد من الآبار، بل إلى إعادة تشغيل مشروع الضخ الرئيسي الذي كان يغذي المدينة، وإعادة تأهيل محطة عبدلو، وإعادة المياه إلى الشبكة العامة”.
ويضيف أن الآبار التي تعمل بالطاقة الشمسية تحولت إلى مصدر لبيع المياه عبر الصهاريج بدلاً من ضخها إلى الشبكة، معتبراً أن إعادة تشغيل البئرين الرئيسيين في المدينة يمكن أن تؤمن المياه لنحو 60% من السكان في المرحلة الحالية.
ويشير محيي الدين إلى أن الأهالي تلقوا خلال السنوات الماضية وعوداً متكررة من مسؤولي مؤسسة مياه حلب بإعادة الضخ، إلا أن شيئاً منها لم يُنفذ، بينما تستمر العائلات في شراء المياه بأسعار مرتفعة رغم تدهور أوضاعها الاقتصادية.
وبحسب حديثه، تحتاج الأسرة الواحدة إلى نحو خمسة صهاريج مياه شهرياً إذا أرادت تقنين الاستهلاك، في حين يتراوح سعر الصهريج بين 250 ليرة تركية و15 دولاراً، تبعاً لبعد المنزل عن مصدر المياه، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على سكان يعتمد معظمهم على الأعمال اليومية أو يفتقرون إلى مصدر دخل ثابت.
ويوجه محيي الدين، في ختام حديثه، نداءً إلى الرئيس أحمد الشرع والجهات المعنية، مطالباً بإعادة تشغيل مشاريع الضخ وإنهاء الاعتماد على الصهاريج، مؤكداً أن “المياه ليست خدمة ثانوية، بل أساس الحياة والصحة”.
من جهته، يربط زكريا جقل، رئيس مجلس مدينة دارة عزة المحلي، الأزمة بتداعيات تضرر البنية التحتية خلال سنوات الحرب، موضحاً أن الحل المستدام يبدأ بإعادة تأهيل وتشغيل الخط الرئيسي المغذي للمدينة، لأن الآبار وحدها لا تستطيع تلبية احتياجات السكان.
ويقول جقل، في تصريح لـ”سوريا 24”، إن عدد سكان دارة عزة يناهز 70 ألف نسمة، بينما لا توفر الآبار الحالية سوى جزء من الاحتياجات الفعلية، الأمر الذي يدفع غالبية السكان إلى الاعتماد على الصهاريج لتأمين مياه الشرب.
ويضيف أن المجلس المحلي يطالب بإعادة تشغيل الآبار العامة، وزيادة عدد خزانات المياه، وتنظيم عمليات التخزين والتوزيع، إلا أن هذه الإجراءات تبقى مؤقتة ما لم تُستكمل بإعادة تشغيل شبكة الضخ الرئيسية، مشيراً إلى أن توقف الخط المغذي، وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار، وضعف التمويل المخصص لقطاع المياه، كلها عوامل أسهمت في استمرار الأزمة.
وتشير معطيات محلية إلى أن أزمة المياه في دارة عزة ليست وليدة الأشهر الأخيرة، إذ تعود جذورها إلى توقف خط الضخ الرئيسي قبل أكثر من عشر سنوات، ما دفع السلطات المحلية في فترات مختلفة إلى إصدار قرارات لتنظيم الضخ، وتخفيض أسعار الصهاريج، والحد من آثار الانقطاع، في حين بقيت إعادة الشبكة الرئيسية الهدف الذي لم يتحقق حتى الآن.
وبين مطالب الأهالي ورؤية المجلس المحلي، تبدو دارة عزة أمام معادلة معقدة؛ فالحلول الإسعافية أسهمت في منع انهيار الخدمة، لكنها لم تنهِ الأزمة. وفي مدينة يقطنها عشرات آلاف السكان، لم يعد السؤال يتعلق بكيفية تأمين صهريج مياه جديد، بل بموعد عودة المياه إلى صنابير المنازل عبر شبكة عامة قادرة على توفير خدمة مستقرة ومستدامة.