كيف غيّرت التوغلات الإسرائيلية حياة أهالي حوض اليرموك؟

حجم الخط

عندما وُلد الطفل الأول لمحمد خالد محمد، لم يكن والده إلى جوار والدته كما حلمت العائلة، بل كان قد مضى على اعتقاله عدة أشهر، بعدما اقتحمت قوة إسرائيلية منزل الأسرة في قرية جملة، الواقعة على ضفاف وادي الرقاد في ريف درعا الغربي، واقتادته إلى جهة مجهولة.

يقول شقيقه سليمان، في حديثه لـ”سوريا 24”، إن محمد لم يكن قد أمضى سوى أشهر قليلة على زواجه عندما وقعت عملية الاعتقال فجر الرابع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025.

ويروي: “رأينا المروحية تحلق على ارتفاع منخفض، ثم أنزلت جنوداً في محيط القرية. وبعد ساعات، وصلت قوة كبيرة حاصرت المنزل واقتحمته قبل أن تعتقل محمد. ومنذ تلك الليلة، لم نره مرة أخرى”.

ويضيف أن العائلة تلقت، بعد أشهر، معلومات غير رسمية تفيد بأن محمد محتجز في معتقل سديه تيمان داخل إسرائيل، من دون أي إخطار رسمي، أو السماح لذويه بزيارته أو التواصل معه.

ويقول: “كل ما نريده هو أن نعرف أين هو. ابنه وُلد بعد اعتقاله، ولم يحمله حتى الآن”.

ولا تعد قضية محمد حالة فردية، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تقاريرها الأخيرة، عدداً من حالات احتجاز المدنيين خلال التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا، معتبرة أن استمرار احتجازهم بمعزل عن ذويهم يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني. كما دعت إلى الكشف عن أماكن احتجازهم، وضمان تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم، والإفراج عن المدنيين المحتجزين تعسفياً.

وفي موازاة ذلك، كررت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بياناتها الصادرة عقب التوغلات الإسرائيلية في محافظتي درعا والقنيطرة، مطالبتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتدخل للكشف عن مصير السوريين المحتجزين لدى إسرائيل، ووصفت تلك العمليات بأنها انتهاك للسيادة السورية، وخرق لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

عندما تصبح الماشية رأس المال الأخير

على مسافة غير بعيدة من قرية جملة، يروي محمد حسين الحفري قصة مختلفة في تفاصيلها، لكنها لا تقل قسوة في نتائجها.

ففي الخامس والعشرين من شباط/فبراير الماضي، يقول إن قوات إسرائيلية صادرت نحو 250 رأساً من الماعز تعود لعدد من العائلات في بلدة معرية، قبل أن تعيد جزءاً منها، بينما بقي ما بين 150 و170 رأساً مفقودة حتى اليوم.

ويقول الحفري إن معظم القطيع كان في موسم الولادة، وإن خسارته لم تكن مجرد فقدان لعدد من الحيوانات، بل فقداناً لرأس مال تعيش منه عائلات بأكملها.

ويضيف: “طرقنا أبواب الحكومة، وراجعنا المنظمات الدولية والأمم المتحدة، لكننا لم نتلقَّ أي جواب. هذه المواشي كانت مصدر رزقنا الوحيد”.

أما إبراهيم الحفري، فيستعيد المشهد لحظة وقوعه، قائلاً إن القطيع كان يرعى في أحد الأودية عندما وصلت قوة إسرائيلية ترافقها مركبات مدنية وشاحنات، قبل أن تبدأ بجمع رؤوس الماعز ونقلها.

ويقدر عدد الرؤوس التي فقدتها مجموعته بنحو 185 رأساً، مضيفاً أن خسارة القطيع دفعت بعض الأسر إلى فقدان موردها الاقتصادي الوحيد.

وتشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن آثار التوغلات الإسرائيلية لم تقتصر على الاعتقالات، بل امتدت إلى التضييق على السكان المدنيين، وتقييد وصول المزارعين والرعاة إلى أراضيهم ومراعيهم، الأمر الذي انعكس مباشرة على سبل العيش في القرى الحدودية.

وتتقاطع هذه الوقائع مع بيانات وزارة الخارجية السورية التي اعتبرت أن استهداف المدنيين وممتلكاتهم خلال التوغلات يفاقم الأزمة الإنسانية في الجنوب السوري، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية تجاه حماية السكان المدنيين.

حياة معلقة على الحدود

في حوض اليرموك، لا تبدو التوغلات الإسرائيلية مجرد أحداث أمنية تنتهي بانسحاب القوات، فخلف كل عملية تترك عائلة تنتظر خبراً عن ابن غائب، أو أسرة تحاول تعويض مورد رزق فقدته بين ليلة وضحاها.

وبالنسبة لسليمان، فإن القضية لا تختصر في السياسة أو البيانات الدولية، بل في سؤال يردده أفراد الأسرة كل صباح: متى يعود محمد إلى ابنه الذي كبر من دون أن يعرف ملامح والده؟

أما بالنسبة لعائلة الحفري، فما زال الأمل معلقاً بعودة القطيع الذي كانت تقوم عليه حياتها، في منطقة يقول سكانها إنهم لا يطالبون بأكثر من أن يعيشوا بأمان، وأن يبقى الإنسان حراً، ورزقه في متناول يده.