لم يعد القطن، الذي شكّل لعقود أحد أبرز المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، بمنأى عن الضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهل القطاع الزراعي.
ففي مناطق الجزيرة السورية، يقول مزارعون إن الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والأسمدة والأدوية الزراعية وأجور العمالة يهدد جدوى الاستمرار في زراعته، وسط مطالب بتدخل حكومي لدعم مستلزمات الإنتاج والحفاظ على محصول ارتبط تاريخيًا بالاقتصاد السوري.
ويُعد القطن من أهم المحاصيل النقدية في سوريا، إذ أسهم لعقود في تزويد صناعات الغزل والنسيج بالمواد الأولية، كما اكتسب القطن السوري سمعة دولية بفضل جودة أليافه الطويلة والمتوسطة، قبل أن تؤدي سنوات الحرب، وتراجع المساحات المزروعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى انكماش القطاع بصورة كبيرة.
ورغم استمرار برامج استنباط أصناف محلية عالية الإنتاجية ومقاومة للإجهادات الحرارية والمائية، فإن المزارعين يرون أن تحديات الإنتاج الميدانية باتت تمثل العقبة الأكبر أمام استعادة المحصول مكانته.
في قرية الجلو بريف الحسكة، يقول المزارع حسن علي الحسن، الذي يعمل في زراعة القطن منذ سنوات، إن الموسم الحالي يُعد من أصعب المواسم التي مرّت عليه، بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج.
ويضيف، في حديثه لـ”سوريا 24”، أن أبرز التحديات تتمثل في أسعار المازوت، موضحًا أن سعر اللتر وصل إلى نحو 12 ألف ليرة سورية، في وقت تحتاج فيه محاصيل القطن إلى تشغيل مضخات الري بصورة متواصلة، ما يرفع كلفة الري إلى مستويات يصعب على المزارعين تحملها.
ويشير إلى أن الدعم الحكومي للمازوت كان في السابق يخفف جزءًا من الأعباء، بينما بات الاعتماد اليوم على الوقود الحر يزيد الضغوط المالية على المزارعين.
ولا تتوقف الصعوبات عند الوقود، وفق الحسن، إذ ارتفعت أيضًا أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية. ويقول إن كيس السماد، زنة 50 كيلوغرامًا، يبلغ سعره نحو 20 دولارًا، فيما تتطلب زراعة القطن عمليات رش متكررة لمكافحة الآفات الحشرية، ما يضيف أعباء مالية جديدة.
ويضيف أن ارتفاع أجور العمالة الزراعية، ونقص الأيدي العاملة، ساهما بدورهما في زيادة التكاليف، سواء في عمليات الغرس أو التنظيف أو العناية بالمحصول.
ويحذر الحسن من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع عددًا متزايدًا من المزارعين إلى العزوف عن زراعة القطن، مطالبًا بتخصيص كميات مدعومة من المازوت، وتأمين الأسمدة بأسعار مناسبة، لدعم استمرار إنتاج المحصول.
وفي ناحية العريشة بريف الحسكة، يصف المزارع سليمان خلف العبود واقع الموسم بأنه لا يقل صعوبة، مشيرًا إلى أن زراعة القطن أصبحت تقتصر على عدد محدود من المزارعين، وغالبًا على من يمتلكون أنظمة طاقة شمسية تساعدهم في تخفيف تكاليف الري.
ويقول، لموقع “سوريا 24”، إن أسعار الأسمدة حالت دون تمكنه من إضافة سماد اليوريا بعد السقاية الثالثة، موضحًا أن سعر الكيلوغرام الواحد يبلغ نحو 15 ألف ليرة سورية، بينما يحتاج الدونم الواحد إلى ما بين 5 و8 كيلوغرامات، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا.
ويضيف أن حراثة دونم واحد تكلف نحو 24 دولارًا، من دون احتساب تكاليف العمالة الخاصة بالغرس والتنظيف، ما يجعل كلفة الإنتاج الإجمالية مرتفعة إلى حد يدفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن المحصول.
وتأتي هذه الشكاوى في وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى استمرار تراجع إنتاج القطن مقارنة بمستوياته التاريخية، بعدما تقلصت المساحات المزروعة خلال السنوات الماضية بفعل الحرب والجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، في حين تؤكد وزارة الزراعة أهمية التوسع في زراعته، لما يمثله من قيمة اقتصادية وصناعية، مع التشديد على الحفاظ على جودة الأصناف السورية المعتمدة.
كما تعمل الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية على تطوير أصناف جديدة تتميز بإنتاجية أعلى وقدرة أكبر على تحمل الإجهادات المناخية والآفات.
وبحسب المعطيات القادمة من مناطق زراعة القطن، فإن مستقبل هذا المحصول لن يتوقف على جودة البذور أو الخبرة الزراعية وحدهما، بل على قدرة السياسات الزراعية على توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار يمكن تحملها، بما يحول دون استمرار تقلص المساحات المزروعة بمحصول لطالما شكّل أحد أعمدة الزراعة والصناعة السورية.



