نشرت وزارة الداخلية السورية فيديو مفصلاً كشفت فيه ملابسات تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وتضمن اعترافات موقوفين قالت إنهم ينتمون إلى تنظيم داعش وشاركوا في التخطيط للهجوم ونقل منفذه وتجهيزه، إلى جانب شهادات ناجين وذوي ضحايا وتصريحات لمسؤولين أمنيين.
وعرض الفيديو تفاصيل انتقال عناصر من التنظيم من البادية السورية إلى المدن، وآلية رصد الكنيسة واختيارها هدفاً، والتسلسل الذي سبق الموافقة على تنفيذ الهجوم، إضافة إلى مخطط لتنفيذ تفجير آخر في منطقة السيدة زينب خلال اليوم نفسه، قبل أن تحول الإجراءات الأمنية في المنطقة دون إتمامه.
وبحسب ما ورد في الفيديو، جاء الهجوم ضمن توجه جديد لتنظيم داعش يقوم على استهداف دور العبادة والمكونات الاجتماعية والدينية، بهدف إثارة التوتر بين السوريين وضرب الاستقرار وإظهار مؤسسات الدولة بمظهر العاجز عن حماية السكان.
من البادية إلى المدن
قال مسؤولون أمنيون ظهروا في الفيديو إن تنظيم داعش عمل، بعد سقوط النظام السابق، على إعادة ترتيب صفوفه ونقل جزء من نشاطه من البادية إلى المدن السورية، مستفيداً من حالة الفراغ الأمني التي رافقت انهيار مؤسسات النظام.
وتضمنت الاعترافات شهادة أحد عناصر التنظيم، قال فيها إنه بقي في مخيم الهول لأكثر من ثلاث سنوات، قبل أن تنتقل به والدته إلى بادية حمص، حيث كان التنظيم يواجه ضغطاً متزايداً من التحالف والقصف الذي استهدف مواقعه.
وأضاف أن التنظيم قرر لاحقاً إخراج عناصر من البادية ونشرهم في المدن، لتسهيل حركتهم واختبائهم بين السكان، وإعادة تشكيل خلايا مترابطة بين المحافظات السورية.
وأشار الفيديو إلى أن التنظيم استفاد، خلال تلك المرحلة، من الوصول إلى مستودعات تحتوي على أسلحة ومتفجرات، ما منحه قدرة على إعادة بناء جزء من شبكاته والتحضير لعمليات داخل مناطق سكنية.
محمد عبد الله الجميلي ينقل المنفذين
ظهر في الفيديو شخص عرّف عن نفسه باسم محمد عبد الله الجميلي، من مواليد الحجر الأسود عام 1996، وقال إنه بايع تنظيم داعش عام 2017.
وبحسب اعترافاته، تواصل معه شخص يُدعى أبو هتون، وطلب منه المساعدة في نقل شخصين إلى دمشق. وقال الجميلي إن الحديث بدأ عن استلامهما من طريق النبك، قبل أن يتوجه برفقة أبو هتون بسيارة لنقلهما.
وأضاف أنهما تسلما الشخصين من سيارة أخرى، وعرف خلال رحلة العودة أن أحدهما مرتبط بعملية تستهدف كنيسة في دمشق. وقال إن الشخصين هما أبو مجاهد وأبو وقاص، وقد نُقلا إلى إحدى المضافات التابعة للتنظيم في دمشق من دون أمتعة شخصية.
ووفق الاعترافات، كان أبو مجاهد وأبو وقاص يعتقدان أنهما سينتقلان للإقامة في دمشق أو سينضمان إلى إحدى مجموعات التنظيم، ولم يكونا على علم مسبق بطبيعة المهمتين اللتين سيُكلَّفان بهما.
هجوم داخل الكنيسة وآخر في السيدة زينب
تحدث أحد الموقوفين عن حضور شخص يُدعى أبو خطاب إلى المكان الذي كان يقيم فيه العنصران، وإبلاغهما بوجود عمليتين مقررتين في اليوم نفسه.
وبحسب الشهادة، قال أبو خطاب إن العملية الأولى ستستهدف كنيسة مار إلياس، مستفيدة من وجود مجلس عزاء داخلها بعد ساعات العصر، فيما كان مقرراً تنفيذ عملية ثانية في مقام السيدة زينب عند الساعة الثامنة مساءً.
وأوضح الموقوف أن أبا مجاهد بدا مصدوماً بعد إبلاغه بأنه سيُكلَّف بتنفيذ هجوم داخل الكنيسة، مشيراً إلى أنه بدا حزيناً وقريباً من البكاء، إلا أنه لم يرفض المهمة.
أما أبو وقاص، فجرى تكليفه بالتوجه إلى مقام السيدة زينب وتفجير نفسه داخله، من دون أن يُطلب منه استخدام سلاح ناري قبل التفجير.
شرح مسار الدخول إلى الكنيسة
وفق الاعترافات التي بثتها وزارة الداخلية، نُقل أبو مجاهد إلى محيط كنيسة مار إلياس، وجرى تعريفه بمداخل المكان والمسار الذي سيسلكه للوصول إلى الداخل.
وقال أحد عناصر الخلية إن التعليمات كانت تقضي بأن يدخل أبو مجاهد إلى الكنيسة حاملاً بندقية، ثم يطلق النار على الموجودين قبل تفجير نفسه داخل المكان.
وأضاف أن المسؤول عن توجيهه مرّ به ببطء قرب الكنيسة، وشرح له الباب الذي سيدخل منه، والاتجاه الذي سيسلكه بعد الدخول، وكيفية الوصول إلى المكان الذي يتجمع فيه المصلون.
وبحسب الاعترافات، كان المطلوب من المنفذ إطلاق النار داخل الكنيسة قبل تشغيل السترة الناسفة، وهو ما يتقاطع مع شهادات ناجين تحدثوا عن سماع إطلاق نار قبل وقوع الانفجار.
تفاصيل تجهيز المنفذ
تضمن الفيديو اعترافات تفصيلية بشأن تجهيز أبي مجاهد قبل نقله إلى موقع الهجوم.
وقال أحد الموقوفين إن المنفذ أُلبس سترة ناسفة سميكة من الجهتين الأمامية والخلفية، وثُبّتت فوقها مواد متفجرة إضافية داخل حقيبة حملها فوق سترته.
وأضاف أن المواد المتفجرة كانت موصولة بعدة أسلاك تفجير وما وصفه بـ«الكورتكس»، مع وضع صاعقين لضمان حدوث الانفجار في حال تعطل أحدهما.
كما جرى تزويد المنفذ ببندقية، وإخفاء سلك التفجير تحت كم سترته ليتمكن من سحبه بعد إطلاق النار داخل الكنيسة.
ورقة نعي تقود إلى اختيار الهدف
كان من أبرز التفاصيل الواردة في الفيديو ما يتعلق بطريقة اختيار كنيسة مار إلياس هدفاً للهجوم.
وبحسب اعترافات أحد أعضاء الخلية، بدأ رصد الكنيسة بعد أن شاهد أبو هتون ورقة نعي مطبوعة ومعلقة على بابها، تتضمن معلومات عن إقامة مجلس عزاء.
وقال إن أبا هتون نقل تفاصيل الهدف إلى خالد أبي عائشة، الذي وصفه الفيديو بأنه مسؤول عسكري في التنظيم، قبل أن يرفع أبو عائشة المعلومات إلى مسؤول أعلى مرتبط بالتنظيم في العراق.
وبعد رفع المعلومات، صدرت الموافقة على تنفيذ العملية، ثم حُدد موعد الهجوم وجُهز المنفذ ونُقل إلى الموقع.
وأشار أحد الموقوفين إلى أن المجموعة التي تولت العملية كانت مرتبطة مباشرة بقيادة مركزية في التنظيم، ولم تكن خاضعة بصورة كاملة للهيكل المحلي في دمشق.
تعطيل مخطط السيدة زينب
كان من المفترض أن ينفذ أبو وقاص العملية الثانية في مقام السيدة زينب خلال المساء.
وجرى نقله إلى محيط المنطقة، وشرح الطريق الذي سيسلكه للوصول إلى داخل المقام، بما في ذلك المدخل الذي يحتوي على حراس وحواجز زجاجية.
وقال أبو وقاص، وفق ما ورد في الفيديو، إن المطلوب منه كان الدخول إلى المكان ثم تفجير نفسه فقط، بخلاف أبي مجاهد الذي كُلّف بإطلاق النار قبل التفجير.
لكن الخطة لم تُنفذ بسبب التشديد الأمني والتدقيق المتكرر على الحواجز المحيطة بالمقام، ما دفع الخلية إلى تأجيل العملية.
وأشار مسؤول أمني إلى أن التنظيم كان يسعى إلى تنفيذ هجومين في يوم واحد، يستهدف الأول مصلين مسيحيين، فيما يستهدف الثاني زوار مقام السيدة زينب.
اشتباك واعتقال أفراد من الخلية
تضمن الفيديو أيضاً رواية عن تحرك عناصر الخلية بعد تفجير الكنيسة.
وقال أحد الموقوفين إن أبا هتون طلب منه الاستعداد للانتقال إلى منزل آخر عقب عودته من موقع العملية، وإن المجموعة تحركت بسيارة داخل أحد الأحياء.
وأضاف أنه بعد سير السيارة نحو 200 متر، وعند وصولها إلى مفرق ضيق، شاهد عنصراً أمنياً يحمل سلاحاً ويتجه نحوهم، قبل أن يفتح النار على السيارة من مسافة قريبة.
وبحسب اعترافاته، قُتل سائق السيارة وأُصيب هو خلال الاشتباك، قبل أن تتمكن الجهات الأمنية من كشف المجموعة واعتقال عدد من أفرادها.
وقال أحد عناصر التنظيم إن انكشاف خلية الكنيسة أدى إلى توقيف عدد من المشاركين وتعليق العمل على عمليات مشابهة لفترة، قبل أن يحاول التنظيم لاحقاً استئناف التخطيط لاستهداف احتفالات دينية.
عمار شاكر وياسر الحمدت
ظهر في الفيديو شخص قال إنه يحمل الجنسيتين العراقية والسورية، وذكر اسمي عمار شاكر وياسر الحمدت.
وبحسب اعترافاته، تولى بعد سقوط النظام السابق مسؤولية عسكرية داخل التنظيم، ثم أصبح مسؤولاً عن عدد من المفاصل في منطقة الشام، بعد مقتل المسؤول العسكري الذي سبقه.
وأوضح أنه كان على تواصل مع مسؤولين عن المناطق الغربية والجنوبية والشرقية، إضافة إلى مفاصل التجهيز والطرق والمضافات.
وقال إن التعليمات كانت تصل من مسؤولين يستخدم التنظيم لهم تسميات والي الشام ووالي الجنوب ووالي دمشق، وإن كل ولاية تضم مسؤولاً عسكرياً وآخر أمنياً يتوليان اختيار الأهداف ورفعها إلى القيادة.
وأضاف أن خلايا التنظيم كانت تتجنب ذكر تفاصيل الأهداف خلال الاتصالات خشية مراقبتها، وتكتفي بإبلاغ القيادات بوجود «هدف»، قبل استكمال التنسيق بوسائل أخرى.
تحول في استراتيجية التنظيم
قال مسؤولون أمنيون في الفيديو إن استراتيجية داعش تغيرت بعد سقوط النظام السابق واندماج عدد من الفصائل ضمن وزارة الدفاع وإعادة تشكيل المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وأوضحوا أن التنظيم كان يركز، في مراحل سابقة، على استهداف الفصائل المسلحة، قبل أن ينتقل إلى استهداف مكونات المجتمع السوري ودور العبادة والمناطق المدنية.
وبحسب أحد الموقوفين، شملت التوجيهات استهداف الدروز والشيعة في منطقة السيدة زينب والمسيحيين، إلى جانب التخطيط لاغتيال شخصيات في الساحل السوري واستهداف مواقع حكومية وأمنية.
وأضاف أن الهدف من تلك العمليات كان إظهار الحكومة بمظهر العاجز أمنياً، وإثارة التوتر بين المكونات الاجتماعية والدولة، واستثمار أي هجوم في الترويج لخطاب يتحدث عن عجز السلطات عن حماية الأقليات.
الداخلية: اعتقال 1300 عنصر وتفكيك 34 خلية
قال نائب وزير الداخلية السوري، اللواء عبد القادر طحان، في الفيديو، إن الوزارة وجهاز الاستخبارات طوّرا، خلال الأشهر الماضية، آليات ملاحقة خلايا تنظيم داعش وشبكات تمويله ونقله وإيوائه.
وأشار إلى اعتقال نحو 1300 عنصر وقيادي في التنظيم، بينهم من وصفهم بوالي الشام ووالي حمص والمسؤول العسكري عن الشام، إضافة إلى قيادات أخرى.
وأضاف أن الأجهزة المختصة تمكنت من تفكيك 34 خلية مرتبطة بالتنظيم، نفذ بعضها عمليات داخل سوريا، إلى جانب إحباط مخططات أخرى قبل تنفيذها.
وذكر أن من بين الخلايا التي جرى تفكيكها مجموعة نفذت هجوماً على دورية للجمارك بين إدلب وحلب، إضافة إلى خلايا نفذت عمليات اغتيال في الساحل السوري.
كما أشار إلى حادثة وقعت في حلب خلال احتفالات عيد الميلاد، عندما حاول عنصر من داعش تنفيذ تفجير، قبل أن يعترضه عناصر من وزارة الداخلية، فانفجر بينهم، ما أدى إلى مقتل أحد العناصر وإصابة آخرين.
يُذكر أن مدينة دمشق شهدت تفجيراً انتحارياً استهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة، في 22 حزيران/يونيو 2025، ما أدى إلى مقتل 25 شخصاً وإصابة قرابة 60 آخرين، إضافة إلى أضرار مادية كبيرة داخل الكنيسة وفي محيطها.