لم يكن محمود العباد، العائد من مهجره القسري في الأردن، يتوقع أن تتحول زيارة اعتيادية إلى مدرسة ابنيه للحصول على الجلاء المدرسي إلى رحلة جديدة في أروقة الدوائر الرسمية. فبعد أن كان يستعد لاستلام الوثيقتين اللازمتين لمتابعة الإجراءات الدراسية، أُبلغ بضرورة إبراز إخراج قيد مدني حديث، قبل أن يواجه مطلبًا بدفع 50 دولارًا عن كل طفل لاستكمال إجراءات تصديق الوثائق.
بالنسبة للعباد، لا تكمن المشكلة في استكمال الإجراءات الإدارية بحد ذاتها، بل في كلفتها. ويقول لـ«سوريا 24» إن المبلغ يمثل عبئًا يفوق قدرة كثير من الأسر السورية، ولا سيما العائلات التي عادت من المخيمات أو من بلدان اللجوء، وما تزال تحاول إعادة ترتيب حياتها بعد سنوات من النزوح والتهجير.
ويضيف أن ربط الحصول على الوثائق المدرسية برسوم بهذا الحجم قد يضع بعض الأسر أمام خيار صعب، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مطالبًا بإيجاد آليات أكثر مرونة تضمن حصول الطلاب على أوراقهم الرسمية دون أن تتحول الظروف الاقتصادية إلى عائق أمام حقهم في التعليم.
رسوم قنصلية لا تستوفيها الأحوال المدنية
وأثارت هذه الحالات تساؤلات بين الأهالي حول طبيعة الرسوم والجهة التي تستوفيها، وما إذا كانت تدخل ضمن الرسوم التي تفرضها مديريات الأحوال المدنية.
لكن مدير الأحوال المدنية في مدينة حمص، أسامة إبراهيم الشيخ، ينفي ذلك، مؤكدًا لـ«سوريا 24» أن المديرية لا تتقاضى أي رسوم مقابل هذه المعاملات، وأن دورها يقتصر على إصدار إحالة إلى القنصلية المختصة لتصديق الوثائق الصادرة خارج سوريا، مثل شهادات الميلاد والزواج وغيرها.
ويوضح الشيخ أن رسم الخمسين دولارًا يُستوفى من قبل القنصلية المختصة لقاء تصديق الوثائق الخارجية، ولا يدخل إلى خزينة مديرية الأحوال المدنية، مشددًا على أن المديرية تؤدي دورًا إجرائيًا يقتصر على تنظيم الإحالة بين صاحب العلاقة والجهة المختصة.
آلية لدعم غير القادرين
ويشير الشيخ إلى أن المديرية، بالتعاون مع المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، افتتحت مكتبًا داخل مبناها لتقديم الدعم للأسر غير القادرة على تحمل رسوم التصديق.
وبحسب قوله، يستطيع صاحب العلاقة تسجيل طلب لدى المكتب، حيث تُدرس حالته الاجتماعية، وفي حال ثبوت عدم قدرته على تسديد الرسوم، تتولى المنظمة تغطية قيمتها وإرسال إشعار بالدفع إلى المديرية لاستكمال المعاملة، مؤكدًا أن هذه الإجراءات لا تستغرق فترة طويلة.
العودة لا تنتهي عند الحدود
قصة محمود العباد تمثل جانبًا من التحديات التي تواجه آلاف الأسر السورية العائدة من دول اللجوء، إذ لا تقتصر العودة على استعادة منزل أو تسجيل طفل في مدرسة، بل تمتد إلى استكمال سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية المرتبطة بالوثائق المدنية الصادرة في الخارج، والتي تتطلب تصديقًا قنصليًا قبل اعتمادها داخل سوريا.
وبينما يرى الأهالي أن الرسوم المفروضة على تصديق الوثائق تزيد من الأعباء التي ترافق رحلة العودة، تؤكد الجهات الرسمية أن هذه المبالغ ليست رسومًا حكومية، وأنها تعمل على توفير مسارات دعم للحالات الأكثر احتياجًا. غير أن السؤال الذي يبقى حاضرًا بالنسبة لكثير من العائلات هو ما إذا كانت هذه الآليات كافية لضمان ألا تتحول الإجراءات الإدارية إلى عقبة جديدة أمام استقرار الأسر وحق أبنائها في مواصلة تعليمهم.