ألغام الحرب تواصل حصد الأرواح في ريف دمشق.. وخطر مستمر يهدد المدنيين

حجم الخط

ما تزال الألغام ومخلفات الحرب تشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه سكان ريف دمشق، بعد سنوات الحرب التي شهدتها سوريا، إذ تنتشر حقول الألغام والذخائر غير المنفجرة في محيط المواقع العسكرية السابقة ومناطق الاشتباكات، مهددة حياة المدنيين والعاملين في الزراعة والرعي، في وقت تتواصل فيه جهود الجهات الحكومية والفرق المختصة لإزالة هذه المخلفات والحد من مخاطرها.

ويأتي استمرار الخطر رغم العمليات الجارية للتطهير، حيث سُجلت حوادث متكررة خلال الأشهر الماضية، كان أحدثها وفاة الشاب منذر غزال إثر انفجار لغم أرضي أثناء قيادته سيارة محملة بالخضار على أحد الطرق الترابية جنوب شرقي مدينة الضمير بريف دمشق، في حادثة تعكس حجم التهديد الذي لا يزال يلاحق السكان حتى في المناطق التي عادت إليها الأنشطة المدنية والزراعية.

وقبل أسابيع، رصدت منصة “سوريا 24”، في تقرير لها، وفاة ثلاثة أطفال من بلدة عسال الورد بالقلمون الغربي بريف دمشق إثر انفجار لغم أرضي، أدى إلى وفاتهم أثناء رعيهم الأغنام. ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة في المنطقة، إذ تتكرر بين الحين والآخر حوادث انفجار الألغام ومخلفات الحرب، في واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الأهالي.

وتعد مناطق القلمون الشرقي والغربي من أكثر المناطق تضررًا، ولا سيما محيط مدينة الضمير والبادية المجاورة، إضافة إلى محيط مطار الضمير العسكري، ومطار السين، ومواقع الدفاع الجوي، والفرقة الثالثة، والفرقة العشرين، حيث انتشرت خلال سنوات الحرب حواجز وحقول ألغام واسعة حول القطع العسكرية. كما تبرز مناطق الزبداني وفليطة وجرودهما، ومحيط دير الشيروبيم، وإدارة المركبات في حرستا، وفوج الكيمياء قرب عدرا، فضلًا عن المناطق المحيطة بالمطارات العسكرية، بوصفها من أبرز البؤر التي ما زالت تحتوي على كميات كبيرة من الألغام ومخلفات الحرب.

ويؤكد الأهالي أن حجم المشكلة يفوق ما يظهر على السطح، إذ جرى خلال الأيام الماضية تفكيك نحو 50 لغمًا في جرود فليطة وحدها، بينما شهدت الزبداني عدة حوادث انفجار ناجمة عن مخلفات حربية. وتعود كثافة الألغام في هذه المناطق إلى استخدامها من قبل نظام الأسد في حربه ضد السوريين، سواء لأغراض الحماية العسكرية أو منع الحركة والإمداد، إضافة إلى المعارك، ما أدى إلى تشابك حقول الألغام وصعوبة تحديد مواقعها بدقة.

وفي هذا السياق، أكدت دائرة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع، لـ”سوريا 24”، أن فرق إدارة الهندسة العسكرية تواصل أعمالها في ريف دمشق من خلال تنفيذ عمليات المسح والكشف والتطهير والاستجابة للبلاغات الواردة من الأهالي.

وأوضحت أن الوحدات المختصة تعمل حاليًا في منطقة قارة، ونفذت خلال الفترة الماضية عمليات إزالة وإتلاف لمخلفات حربية وألغام في كفربطنا، وببيلا، وكناكر، والكسوة، وجبال أبو غانم، وحي القابون. وأضافت الوزارة أن فرق الهندسة تعاملت، خلال أقل من شهر، مع أكثر من خمسة آلاف لغم ومخلف حربي متنوع في ريف دمشق، ضمن جهود مستمرة لتأمين المناطق السكنية والزراعية والحد من المخاطر التي تهدد المدنيين.

ورغم هذه الجهود، تواجه عمليات التطهير تحديات كبيرة، أبرزها الانتشار الواسع للألغام وغياب الخرائط الدقيقة لمواقع زراعتها، فضلًا عن الحاجة إلى معدات وتقنيات حديثة تساعد في الكشف السريع والآمن عن المتفجرات. كما أن الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المناطق، خصوصًا في الجرود والبادية، تجعل عمليات المسح والإزالة أكثر تعقيدًا وتستغرق وقتًا أطول.

وبالتوازي مع أعمال الإزالة، تعتمد الجهات المختصة ومنظمات التوعية المجتمعية على حملات إرشادية للحد من الحوادث، تركز على تجنب سلوك الطرق غير المعبدة أو المناطق المهجورة، وعدم الاقتراب من الأجسام الغريبة أو لمسها، والإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه إلى الجهات المختصة. كما يُنصح الرعاة والمزارعون بتجنب الأراضي غير المفحوصة مسبقًا، نظرًا لأن معظم الحوادث المسجلة تقع أثناء الرعي أو العمل الزراعي أو التنقل في المناطق المفتوحة.

وبينما تتقدم عمليات إزالة الألغام تدريجيًا، يبقى الخطر قائمًا في أجزاء واسعة من ريف دمشق، ما يجعل تطهير الأراضي الملوثة أولوية إنسانية وأمنية ملحة، ليس فقط لحماية السكان، وإنما أيضًا لإعادة إحياء النشاط الزراعي وتمكين الأهالي من العودة الآمنة إلى أراضيهم ومصادر رزقهم بعد سنوات طويلة من الحرب.