ريف دمشق:موبيليا سقبا تستعيد نشاطها وتبحث عن طريق النمو

حجم الخط

لطالما شكّل صوت المناشير ورائحة الخشب جزءاً من هوية مدينة سقبا في الغوطة الشرقية، التي ارتبط اسمها لعقود بصناعة الموبيليا، حتى غدت واحدة من أبرز المراكز الحرفية في ريف دمشق. ورغم التراجع الكبير الذي أصاب هذا القطاع خلال سنوات الثورة، وما رافقها من تهجير أهالي المنطقة على يد النظام السابق، بدأت الورش تستعيد نشاطها تدريجياً، مع عودة عدد من الحرفيين وإعادة افتتاح العديد من الورش، إلا أن التعافي ما يزال دون المستوى الذي كانت عليه الصناعة قبل عام 2011.

ويطرح هذا الواقع تساؤلاً حول السبل الكفيلة بنقل صناعة الموبيليا في سقبا من مرحلة التعافي الجزئي إلى مرحلة النمو المستدام، بما يعزز قدرتها على المنافسة ويوفر فرص عمل جديدة.

صناعة عريقة تجاوزت حدود المدينة

اكتسبت سقبا شهرتها في صناعة الموبيليا بفضل جودة منتجاتها والمهارة العالية التي تميز بها حرفيوها، واستقطبت ورشها زبائن من مختلف المحافظات، كما وصلت منتجاتها إلى أسواق خارجية. ولم تقتصر أهمية هذه الصناعة على إنتاج الأثاث، بل شكّلت محركاً لعشرات المهن المرتبطة بها، مثل النجارة والتنجيد والدهان وصناعة الزجاج والإكسسوارات، ما جعلها ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.

وقال صاحب إحدى ورش وصالات عرض الموبيليا في سقبا، عماد الدين القوتلي، لـ«سوريا 24»، إن المدينة كانت، قبل اندلاع الثورة، تستقبل زبائن من مختلف المحافظات، وكانت الحركة التجارية مزدهرة، مضيفاً أن النشاط تحسن بصورة ملحوظة بعد التحرير وعودة الاستقرار، لكنه لا يزال أقل بكثير من مستواه السابق.

وأضاف أن ما يميز موبيليا سقبا هو جودة التصنيع والاهتمام بالتفاصيل والدقة في التنفيذ، وهي عوامل حافظت على سمعة المنتج المحلي، رغم التحديات التي مر بها القطاع.

تحديات تعيق التوسع

ورغم عودة العديد من الورش إلى العمل، فإن أصحابها يؤكدون أن ظروف الإنتاج اليوم تختلف عما كانت عليه قبل الثورة، في ظل ارتفاع أسعار الأخشاب والمواد الأولية، وزيادة تكاليف النقل والتصنيع، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي حدّ من قدرة الورش على التوسع وزيادة الإنتاج.

وأوضح القوتلي، لـ«سوريا 24»، أن تأمين بعض المواد الأولية والنوعيات التي كانت تستخدم سابقاً ما يزال يشكل تحدياً، إضافة إلى تغير طبيعة الطلب، إذ بات كثير من الزبائن يفضلون المنتجات الأقل تكلفة مقارنة بالأثاث الذي كان يُصنع قبل الثورة.

ولا تقتصر التحديات على الجانب الاقتصادي، إذ يواجه القطاع نقصاً في الأيدي العاملة الماهرة، بعد خروج عدد كبير من الحرفيين من المهنة أو انتقالهم إلى أعمال أخرى، ما يهدد استمرارية الخبرات المتراكمة التي تميزت بها المدينة.

وفي هذا السياق، قال العامل في قطاع الموبيليا، ياسين الخطيب، لـ«سوريا 24»، إن الورش كانت قبل الثورة تستقبل أعداداً كبيرة من الشباب الراغبين في تعلم المهنة، بينما تراجع الإقبال اليوم بشكل واضح، نتيجة توجه كثير من الشباب إلى الدراسة أو البحث عن أعمال توفر دخلاً أسرع، فضلاً عن أن المهنة تحتاج إلى سنوات من التدريب والخبرة.

ورأى الخطيب أن الحفاظ على هذه الصناعة يتطلب تشجيع الشباب على تعلمها، إلى جانب تغيير الصورة الذهنية التي لا تزال لدى البعض عن مدينة سقبا، رغم تحسن الأوضاع الأمنية وعودة النشاط الاقتصادي إليها.

متطلبات الانتقال إلى النمو

يرى أصحاب الورش أن مستقبل صناعة الموبيليا لا يعتمد على مهارة الحرفيين وحدها، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية داعمة، تبدأ بتخفيف الأعباء عن الورش، وتسهيل الحصول على المواد الأولية، وتوفير برامج تمويل تساعد أصحابها على تحديث المعدات وزيادة الطاقة الإنتاجية.

وأكد القوتلي، لـ«سوريا 24»، أن التسويق يمثل أحد أهم عناصر النهوض بالقطاع، مقترحاً تنظيم مهرجان سنوي للموبيليا في سقبا، يترافق مع حملة إعلامية وجولات للصحفيين والزوار داخل الورش، بهدف إعادة التعريف بالصناعة وتشجيع الزبائن على زيارة المدينة، لافتاً إلى أن كثيرين ما يزالون يربطون سقبا بسنوات الثورة، رغم تحسن الواقع الأمني.

وأضاف أن فتح أسواق جديدة والترويج الإعلامي للمنتج المحلي من شأنهما زيادة الطلب وتعزيز قدرة الصناعة على المنافسة.

دور البلديات والجهات المحلية

من جهتها، ترى الجهات المحلية أن تطوير صناعة الموبيليا يتطلب شراكة بين البلديات والجهات المعنية والمؤسسات التعليمية، لتوفير بيئة حاضنة تسهم في استدامة هذا القطاع.

وقال رئيس بلدية سقبا، زياد طاطين، لـ«سوريا 24»، إن الصناعة استعادت جزءاً من نشاطها، لكنها لا تزال تتقدم بخطوات بطيئة، موضحاً أن التحدي لا يقتصر على إعادة افتتاح الورش، بل يتمثل أيضاً في استعادة الخبرات الحرفية التي تراجعت خلال سنوات الثورة، نتيجة توقف العمل وتهجير سكان المنطقة على يد النظام السابق.

وأشار إلى أن انقطاع المهنة لنحو خمسة عشر عاماً أدى إلى فقدان حلقة انتقال الخبرة بين الأجيال، ما انعكس على مستوى الإبداع، ولا سيما في الأعمال الفنية الدقيقة والحفر اليدوي اللذين اشتهرت بهما موبيليا سقبا.

وأضاف أن البلدية تعمل على تحسين البيئة الحرفية، عبر تطوير الطرق والإنارة والنظافة وتنظيم المناطق الصناعية، بما يسهّل عمل الورش ويشجع الزوار على ارتياد المدينة.

وكشف طاطين، لـ«سوريا 24»، عن اتفاق جرى خلال لقاء جمع الرئيس أحمد الشرع بوجهاء مدينة سقبا على مشروع لتحويل الثانوية الصناعية في مدينة الافتريس المجاورة إلى معهد تقني متخصص في صناعة الموبيليا، بهدف إعداد كوادر جديدة ونقل الخبرات الحرفية إلى الأجيال الشابة بصورة منهجية.

ورأى أن إنشاء تجمعات صناعية مخصصة للورش، بعيداً عن المناطق السكنية، سيوفر مساحة للتوسع واستقطاب استثمارات جديدة وخلق فرص عمل إضافية، مؤكداً أن تحقيق ذلك يحتاج إلى الوقت والتمويل، لكنه يشكل خطوة أساسية لتطوير القطاع على المدى الطويل.

آفاق المستقبل

نجحت صناعة الموبيليا في سقبا في استعادة جزء مهم من نشاطها بعد سنوات الثورة، وما شهدته المدينة من تهجير واسع لأهلها على يد النظام السابق، إلا أن تحويل هذا التعافي إلى نمو مستدام يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل دعم الحرفيين، وتأهيل الكوادر الشابة، وتحديث الإنتاج، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز التسويق.

وتبقى قدرة هذه الصناعة على استعادة مكانتها التاريخية مرتبطة بمدى توفر بيئة داعمة للحرفيين، وإعادة بناء سلسلة الخبرات بين الأجيال، بما يجعل موبيليا سقبا مجدداً أحد أبرز محركات الاقتصاد المحلي ومصدراً لفرص العمل في المدينة وريف دمشق.