ارتفاع طفيف في أسعار المحروقات.. ووزارة الطاقة غائبة

حجم الخط

بدأت محطات الوقود في عدد من المحافظات تطبيق تسعيرة جديدة للمحروقات، شملت رفع أسعار البنزين والمازوت مقابل خفض طفيف في أسعار الغاز المنزلي والصناعي، في وقت لم تصدر فيه وزارة الطاقة، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، إعلانًا رسميًا يوضح أسباب التعديل أو الأسس التي استندت إليها في احتساب الأسعار الجديدة.

ورصدت “سوريا 24” بدء تطبيق التسعيرة في محطات الوقود بمدينة الأتارب في ريف حلب الغربي ومحافظة درعا، حيث أثارت الزيادات انتقادات بين المواطنين وأصحاب المحطات، الذين قالوا إنها تزيد الأعباء المعيشية في ظل ضعف القدرة الشرائية.

وبحسب الأسعار المطبقة، ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 121 ليرة سورية جديدة (0.91 دولار)، مقارنة بـ120 ليرة في التسعيرة السابقة، فيما ارتفع سعر ليتر البنزين إلى 145 ليرة (1.09 دولار)، عوضًا عن 140 ليرة.

وفي المقابل، انخفض سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1470 ليرة (11.02 دولار)، بعد أن كانت 1500 ليرة، كما تراجع سعر الغاز الصناعي إلى 2350 ليرة (17.62 دولار)، بدلًا من 2400 ليرة.

الأتارب.. نقص العملة الجديدة يربك عمليات البيع

وأكد كامل الجويني، وهو صاحب محطة وقود في مدينة الأتارب، أن المحطات بدأت تطبيق التسعيرة الجديدة بعد منتصف ليل الخميس، فور ورودها من الجهات المعنية، مؤكدًا التزام أصحاب المحطات بالأسعار المحددة.

إلا أن الجويني أوضح أن المشكلة الأبرز لا ترتبط بالأسعار وحدها، وإنما بصعوبة تداول الليرة السورية الجديدة، في ظل استمرار اعتماد شريحة واسعة من السكان على الليرة التركية في تعاملاتهم اليومية.

وقال لـ”سوريا 24”: “يأتي زبائن لا يملكون العملة السورية الجديدة، فيضطرون إلى الذهاب لتصريف ما لديهم ثم العودة، فيما يغادر بعضهم ولا يعود لإتمام عملية الشراء”.

من جهته، قال قاسم رماح، لـ”سوريا 24”، إن أسعار المحروقات أصبحت تتغير بوتيرة متقاربة، مشيرًا إلى أن التعديلات، بحسب ملاحظته، باتت تتكرر كل يومين أو ثلاثة أيام، ما يجعل الأسر عاجزة عن تقدير نفقاتها بصورة مستقرة.

وأضاف أن التفسيرات المتداولة تربط تغير الأسعار بأسعار النفط العالمية أو بتقلبات سعر الصرف، إلا أن تكرار التعديلات يخلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين.

أما حسن درويش، فرأى أن اعتماد التسعير بالدولار أو بالليرة التركية كان يوفر استقرارًا أكبر للأسعار، إذ كانت تبقى ثابتة لعدة أشهر، بينما أدى اعتماد الليرة السورية الجديدة إلى زيادة صعوبة التعاملات اليومية نتيجة محدودية توفرها.

درعا: الزيادات لا تتناسب مع مستويات الدخل

وفي محافظة درعا، رصدت مراسلة “سوريا 24” آراء عدد من المواطنين الذين اعتبروا أن الزيادة الأخيرة تزيد الضغوط المعيشية في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية.

وقال نجم، من سكان المحافظة، لـ”سوريا 24”: “للأسف، الأسعار خربت الدار. من لا يملك عملًا، فمن أين يؤمن ثمن البنزين؟”، معتبرًا أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على معيشة الأسر محدودة الدخل.

بدوره، قال محمد، من سكان المدينة، إن مقارنة أسعار المحروقات في سوريا بالأسواق العالمية لا يمكن أن تتم بمعزل عن مقارنة مستويات الدخل.

وأضاف: “أعطني دخل المواطن الأوروبي أو الخليجي، ثم ارفع الأسعار. أما رفعها مع بقاء الدخل على حاله، فهو قرار مجحف بحق المواطنين”.

وقال مواطن آخر إن قرار رفع أسعار المحروقات “سيئ للغاية”، موضحًا أن كثيرًا من السكان يعتمدون على الدراجات النارية لتقليل نفقات التنقل، إلا أن الزيادات المتكررة في أسعار الوقود تفاجئهم باستمرار وتفرض أعباء إضافية على حياتهم اليومية.

وفي المقابل، رأى صاحب محطة وقود في مدينة درعا، فضل عدم الكشف عن اسمه، أن الأسعار الجديدة “لا تعكس، من وجهة نظره، تطورات الأسعار العالمية”، مشيرًا إلى أن سعر المازوت ارتفع، بحسب تقديره، بنحو 12% منذ 15 تموز/يوليو، بينما ارتفع سعر البنزين بنحو 13%.

وأضاف أن سعر ليتر المازوت محليًا يعادل نحو 0.91 دولار، في حين يتراوح السعر العالمي، بحسب تقديره، بين 0.65 و0.70 دولار، بينما يقارب سعر البنزين عالميًا دولارًا واحدًا لليتر، معتبرًا أن “التسعيرة الحالية غير مبررة”، وانتقد التعديلات المتكررة في الأسعار، قائلًا إنها تربك أصحاب المحطات والمستهلكين على حد سواء. كما رأى أن آلية توزيع المحروقات بين المحافظات لا تُطبق بصورة متساوية، إذ تمنح بعض المحطات الحكومية، بحسب قوله، أولوية في الحصول على المخصصات، بينما تتأخر طلبات محافظات أخرى، ومنها درعا.

وأضاف أن نظام توزيع الصهاريج يفترض أن يستند إلى معايير محددة، من بينها بُعد المسافة، إلا أنه يرى أن التطبيق الفعلي لا يلتزم دائمًا بهذه المعايير، الأمر الذي يؤدي، بحسب وصفه، إلى تأخر وصول مخصصات المحافظة.

وقال صاحب المحطة إن الإنتاج المحلي يغطي، بحسب تقديره، أكثر من 80% من استهلاك البلاد من المازوت، موضحًا أن طبيعة النفط السوري، الذي يغلب عليه الخام الثقيل، تجعله أكثر ملاءمة لإنتاج الديزل.

وفي المقابل، أضاف أن سوريا لا تزال تستورد نحو 40% من احتياجاتها من البنزين، وهو ما يجعل هذه المادة أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف النقل والشحن.

ويرى أن كلفة إنتاج النفط الخام محليًا لا تتجاوز، وفق تقديره، بين 15 و20 سنتًا للبرميل، بينما تتحدد أسعار المشتقات النفطية أيضًا بعوامل تشمل التكرير والنقل والتوزيع وهوامش التشغيل.

موقف وزارة الطاقة

ورغم بدء تطبيق الأسعار الجديدة في محطات الوقود، لم تصدر وزارة الطاقة السورية، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، إعلانًا رسميًا بشأن الزيادة الأخيرة أو تفاصيلها.

غير أن الوزارة كانت قد أوضحت، في بيانات سابقة، أن آلية تسعير المشتقات النفطية تعتمد على مراجعات دورية تجريها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية، استنادًا إلى مجموعة من المؤشرات الفنية والاقتصادية، تشمل أسعار النفط العالمية، وأسعار الصرف، وكلف الاستيراد أو الإنتاج، إضافة إلى تكاليف النقل والشحن والتكرير والتشغيل والصيانة، بهدف تحقيق توازن بين استدامة توافر المشتقات النفطية ومراعاة مصلحة المواطنين.

كما تؤكد الوزارة أن أسعار النفط العالمية تمثل أحد عناصر التسعير، لكنها ليست العامل الوحيد، إذ تؤخذ في الاعتبار أيضًا المتغيرات الاقتصادية المحلية ومستوى الجاهزية الفنية وكلف الإمداد، في إطار مراجعة دورية تسمح بتعديل الأسعار ارتفاعًا أو انخفاضًا تبعًا لتغير هذه المؤشرات.

مقارنة مع دول الجوار وأوروبا

وتظهر مقارنة الأسعار أن ليتر البنزين والمازوت في سوريا يُباع بأسعار أدنى من تلك السائدة في الأردن ولبنان وتركيا، كما يقل عن الأسعار المسجلة في معظم دول الاتحاد الأوروبي، حيث يتراوح سعر ليتر البنزين في العديد من الدول الأوروبية بين نحو 1.6 و2 يورو، بينما يتراوح سعر ليتر الديزل بين 1.5 و1.9 يورو.

إلا أن مهتمين بالشأن الاقتصادي المحلي يرون أن المقارنة المباشرة بين الأسعار لا تعكس الصورة كاملة، إذ ترتبط كلفة الوقود أيضًا بمستويات الدخل والقدرة الشرائية.

ففي حين يبلغ متوسط صافي الأجر الشهري في عدد من دول أوروبا الغربية ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف يورو، ويتجاوز في عدد من دول الخليج عدة آلاف من الدولارات، تبقى مستويات الأجور في سوريا أقل بكثير، وهو ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود أكثر انعكاسًا على الإنفاق اليومي للأسر.

لماذا ترتفع أسعار المحروقات عالميًا؟

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة العالمية تتأثر بعوامل عدة، أبرزها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتقلبات الإمدادات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، فضلًا عن تغيرات العرض والطلب في الأسواق العالمية. وتنعكس هذه العوامل على كلفة استيراد النفط ومشتقاته بالنسبة إلى الدول المستوردة، ما يدفع العديد منها إلى مراجعة أسعار الوقود بصورة دورية وفق المتغيرات الاقتصادية وأسعار السوق العالمية.

وبينما ترى وزارة الطاقة أن المراجعة الدورية للأسعار تهدف إلى ضمان استدامة الإمدادات ومواكبة المتغيرات الاقتصادية، يقول مواطنون وأصحاب محطات وقود إن التحدي لا يكمن في الأسعار وحدها، بل في اتساع الفجوة بين تكاليف المعيشة ومستويات الدخل، وهو ما يجعل أي تعديل جديد في أسعار المحروقات ينعكس سريعًا على تكاليف النقل وأسعار السلع والإنفاق اليومي للأسر.