في وقت دفعت فيه الظروف الاقتصادية كثيراً من النساء السوريات إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، وجدت أخريات في الأعمال اليدوية فرصة لا تقتصر على تحسين الدخل، بل تمتد إلى تحقيق الذات وتحويل الهواية إلى مشروع خاص. فمن داخل المنازل، بدأت مشروعات صغيرة تعتمد على المهارة والإبداع، لتشق طريقها تدريجياً إلى الأسواق، في تجارب تؤكد أن الإصرار والتعلم المستمر قادران على صناعة فرص جديدة رغم التحديات.
من الهندسة إلى صناعة الصابون
لم يكن انتقال زينب جردي، البالغة من العمر 30 عاماً، من الهندسة إلى صناعة الصابون الطبيعي وليد الصدفة، بل ثمرة حلم راودها لسنوات بأن تصبح رائدة أعمال تمتلك مشروعها الخاص. فرغم تخرجها مهندسة في الكهرباء والميكانيك، ومتخصصة في هندسة الميكاترونيكس، وعملها لمدة عامين في مكتب هندسي بمدينة حمص قبل انتقالها إلى مجال التدريس، اختارت لاحقاً التفرغ لرعاية طفليها خلال سنواتهما الأولى.
ومع مرور الوقت، قررت العودة إلى سوق العمل بطريقة مختلفة، فبدأت قبل نحو عام رحلة تعلم صناعة الصابون الطبيعي من خلال دورة تدريبية متخصصة، قبل أن تطلق مشروعها المنزلي.
وتقول زينب، في حديث خاص لموقع «سوريا 24»، إن البداية اقتصرت على تلبية طلبات أفراد العائلة والمقربين، لكن تشجيعهم منحها الثقة لتطوير المشروع. وبعد إنشاء صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت محال تجارية في منطقتها بطلب منتجاتها، ليتحول المشروع تدريجياً إلى مصدر دخل حقيقي.
وتعتمد زينب في تصنيع منتجاتها على الزيوت الطبيعية والأعشاب والمستخلصات النباتية، كما تصنع بنفسها قواعد صابون الجلسرين من الصفر، لضمان الجودة والتميز. وتشمل منتجاتها صابون لبان الذكر والفحم النشط والبابونج والورد، إلى جانب أنواع أخرى، فيما تتراوح أسعار القطعة الواحدة بين 1.8 و2.5 دولار، بحسب وزن الصابونة والإضافات الطبيعية المستخدمة.
وترى أن تخصصها الهندسي لم يكن عائقاً أمام دخول هذا المجال، بل منحها القدرة على الابتكار، مؤكدة أن حلمها القديم بأن تصبح صاحبة مشروع مستقل كان الدافع الأكبر للاستمرار. وتطمح إلى توسيع انتشار منتجاتها في مختلف المحافظات السورية، إلى جانب إطلاق دورات تدريبية تساعد النساء على تأسيس مشروعاتهن الخاصة وتحقيق الاستقلال المادي.
وتوضح أن أصعب ما واجهته كان التوفيق بين مسؤوليات الأمومة وإدارة المشروع، ولا سيما مع الالتزام بمواعيد تسليم الطلبات، إلا أن ذلك لم يمنعها من مواصلة العمل وتحويل شغفها إلى مشروع ناجح يحمل اسم «خديجة».
الصدفة قادتها إلى عالم الشموع
قصة زينب ليست الوحيدة، فألفت عبيدة السهلي وجدت هي الأخرى في العمل اليدوي فرصة لبناء مشروعها الخاص، لكن بدايتها جاءت بمحض الصدفة أثناء تصفحها مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت ألفت، وهي خريجة المعهد المتوسط للديكور والتصميم الداخلي، تعمل في مجال التصميم باستخدام البرامج الهندسية، إلا أن ساعات التنقل الطويلة دفعتها إلى البحث عن عمل يمنحها مرونة أكبر. وبينما كانت تشاهد مقاطع مصورة على الإنترنت، لفتها عالم صناعة الشموع، فتحول الفضول إلى شغف دفعها إلى الالتحاق بدورة تدريبية لتعلم المهنة من الصفر.
وبعد انتهاء التدريب، بدأت رحلة البحث عن المواد الأولية والقوالب والعطور، غير أن نقص المستلزمات بسبب إغلاق الحدود خلال فترة التصعيد بين إيران وإسرائيل دفعها إلى ابتكار بديل، فبدأت بصناعة قوالبها الخاصة من الخرسانة، لتنشئ داخل منزلها ورشتين صغيرتين: واحدة لصناعة الشموع، وأخرى لتصنيع القوالب.
وتقول إن رؤية المعرفة النظرية تتحول إلى منتجات تحمل أشكالاً وألواناً وروائح مختلفة كانت من أكثر المراحل متعة، ولا سيما مع الدعم الذي تلقته من زوجها وأسرتها وأصدقائها، الذين كانوا أول زبائنها قبل أن تبدأ التسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتنفذ ألفت جميع مراحل الإنتاج داخل مطبخ منزلها، معتمدة على الشمع الطبيعي والزيوت العطرية الطبيعية. وتؤكد أن جودة المواد الخام، واختيار الفتيل المناسب، والالتزام بدرجات الحرارة الصحيحة أثناء التصنيع، هي العناصر الأساسية لإنتاج شموع آمنة وعالية الجودة.
ورغم أن المشروع يتطلب استثمارات مستمرة لشراء قوالب جديدة وتطوير التصاميم، إضافة إلى ساعات عمل طويلة قد تمتد إلى ثماني ساعات يومياً، فإنها تؤكد أن العمل من المنزل منحها الحرية في تنظيم وقتها، وشجعها على الاستمرار في تطوير مشروعها.
وتطمح ألفت إلى الارتقاء بجودة منتجاتها وتوسيع نشاطها، مؤكدة أن التعلم المستمر هو مفتاح النجاح، وأن كل امرأة قادرة على بناء مشروعها الخاص متى امتلكت الإرادة والرغبة في التطور.
لم تعد المشروعات المنزلية مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل أصبحت مساحة للإبداع وتحقيق الاستقلال الاقتصادي. وبين الصابون الطبيعي والشموع اليدوية، تثبت سوريات أن الشغف، حين يقترن بالتعلم والإصرار، قادر على تحويل فكرة بسيطة داخل المنزل إلى مشروع يحمل ملامح مستقبل أكثر استقراراً.







