لم تتمكن والدة الطفلة نور الدوس من رؤية ابنتها سوى مرتين خلال عام كامل، بعدما انتقلت حضانتها إلى والدها. وتحولت هاتان الزيارتان، بحسب رواية الأم، إلى فرصتين نادرتين للاطمئنان على طفلتها. لكن ما شاهدته لم يكن مطمئنًا، إذ لاحظت آثار ضرب وكدمات على جسدها.
وتقول الأم إنها تقدمت بشكاوى ووجهت مناشدات طالبت فيها بالتدخل لحماية نور. ولم تكن، وفق روايتها، تعبر عن مخاوف عامة أو غير محددة، بل استندت إلى علامات واضحة رأتها بنفسها على جسد ابنتها.
ورغم ذلك، بقيت نور في منزل والدها، قبل أن تنتهي حياتها في جريمة أعادت طرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات على حماية الأطفال عندما يصبح المنزل نفسه مصدر الخطر.
وأعلنت الجهات الأمنية، عقب التحقيق في القضية، توقيف والد نور واثنين من أعمامها، فيما أشارت التحقيقات إلى تعرض الطفلة لاعتداءات وانتهاكات قبل وفاتها، وإلى صدور اعترافات تتعلق بملابسات الجريمة. غير أن تحديد المسؤوليات الجنائية النهائية يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
لكن قضية نور لم تعد محصورة في البحث عن مرتكب الجريمة أو المتستر عليها، بل امتد السؤال إلى ما قبل الوفاة: ماذا حدث للشكاوى التي تؤكد الأم أنها قدمتها؟ وهل وصلت آثار الضرب التي شاهدتها إلى جهة تمتلك صلاحية التدخل وإبعاد الطفلة عن مصدر الخطر؟

عنف يبقى خلف الأبواب
لا تبدأ غالبية حالات العنف ضد الأطفال بالحادثة الأخيرة، بل تسبقها في العادة مؤشرات تظهر على الجسد أو في سلوك الطفل، مثل الكدمات المتكررة، والخوف من العودة إلى المنزل، والانطواء المفاجئ، والتراجع الدراسي، أو الغياب المتكرر عن المدرسة.
غير أن هذه المؤشرات قد تبقى محصورة داخل الأسرة، ولا تصل إلى الجهات المختصة إلا بعد تفاقم الأذى، خصوصًا عندما يعجز الطفل عن التعبير عما يتعرض له، أو حين يُنظر إلى ما يحدث داخل المنزل باعتباره شأنًا عائليًا خاصًا.
ويقول خبير الحماية الاجتماعية ماهر رزق، لـ”سوريا 24”، إن العنف الأسري ضد الأطفال يمثل إحدى القضايا الإشكالية في عدد من المجتمعات السورية، نتيجة تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية، في مقدمتها الفقر والجهل، إلى جانب ترسخ أنماط اجتماعية سلبية وغياب أنظمة حماية ووقاية فعالة.
ويضيف أن غياب آليات واضحة للإبلاغ عن حالات العنف يؤدي إلى اكتشاف كثير منها في مراحل متأخرة، بعد أن تكون الأضرار قد تفاقمت.
ولا تكون مؤشرات التعنيف، بحسب رزق، واضحة دائمًا؛ فقد يظهر الطفل منطويًا أو منعزلًا، أو يتحول إلى ممارسة العنف ضد من هم أضعف منه، كما قد يشكل التراجع الدراسي أو التسرب من المدرسة إشارة مبكرة تستدعي الانتباه.
ويرى أن حماية الأطفال ينبغي أن تبدأ قبل وقوع الجريمة، عبر بناء شبكات للوقاية والتدخل المبكر داخل المدارس والمجتمعات المحلية، بالتوازي مع نشر ثقافة التربية الإيجابية والحد من استخدام العنف وسيلة للتربية.
أرقام لا تكشف ما يجري داخل المنازل
لا تتوافر في سوريا قاعدة بيانات وطنية منشورة تقدم إحصاءات شاملة ومحدثة عن حالات العنف الأسري الواقعة على الأطفال، أو توضح عدد البلاغات والتحقيقات والإحالات الاجتماعية والقضائية المرتبطة بها.
ويجعل غياب هذه البيانات من الصعب تحديد حجم الظاهرة داخل المنازل، أو معرفة عدد الأطفال الذين تعرضوا للعنف على يد أفراد أسرهم، وعدد الحالات التي وصلت إلى خدمات الحماية.
لكن الأرقام المتاحة عن أوضاع الأطفال في سوريا تظهر اتساع المخاطر المحيطة بهم. وتقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن نحو 5.3 ملايين طفل في سوريا يحتاجون إلى مساعدات وخدمات حماية، في ظل مخاطر تشمل العنف والاستغلال وعمالة الأطفال والزواج المبكر والضغوط النفسية والاجتماعية.
كما أشارت تقديرات المنظمة إلى أن نحو 7.5 ملايين طفل احتاجوا، خلال عام 2025، إلى أشكال مختلفة من الدعم الإنساني، بينهم نحو 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، إضافة إلى قرابة مليوني طفل معرضين لخطر سوء التغذية.
وعلى مستوى ضحايا العنف المرتبط بالنزاع والوضع الأمني، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 328 طفلًا من بين 3338 مدنيًا قُتلوا في سوريا خلال عام 2025. ولا تقتصر هذه الحصيلة على العنف الأسري، بل تشمل أنماطًا مختلفة من الانتهاكات وأعمال العنف.
وفي سياق آخر، قالت يونيسف إن مخلفات الحرب المتفجرة تسببت، بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وشباط/فبراير 2026، في مقتل وإصابة 1891 مدنيًا، بينهم 698 قتيلًا و1193 مصابًا. وشكل الأطفال 30 في المئة من القتلى و40 في المئة من المصابين.
وتظهر هذه الأرقام حجم العنف الذي يواجهه الأطفال في المجال العام، لكنها لا تكشف عدد الأطفال الذين يتعرضون للضرب أو الإهمال أو الإساءة داخل منازلهم، من دون أن تصل حالاتهم إلى الشرطة أو القضاء أو خدمات الحماية.
القانون موجود… والتحدي في التطبيق
من الناحية القانونية، يقول المحامي هادي بازغلان، لـ”سوريا 24”، إن سوريا تمتلك إطارًا تشريعيًا خاصًا بحماية الأطفال، يتمثل في قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021، إلى جانب النصوص المتعلقة بالأطفال الواردة في قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية.
ويوضح أن قانون حقوق الطفل ينظم حقوق الطفل داخل الأسرة وخارجها، ويشمل الحماية من العنف والاستغلال، والرعاية الأسرية، وقضايا الحضانة والولاية والوصاية، إضافة إلى تجريم الاعتداءات الواقعة على الأطفال.
إلا أن وجود النصوص القانونية، بحسب بازغلان، لا يعني بالضرورة تحقق الحماية، إذ تبقى المشكلة الأساسية في آليات التطبيق، وفي قدرة المؤسسات على اكتشاف الخطر والتدخل قبل وقوع الجريمة.
ويضيف أن الإبلاغ عن تعرض طفل للعنف يفترض أن يقود إلى تحرك الجهات المختصة، بما يشمل توفير الحماية للطفل، وملاحقة المسؤول عن العنف، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإبعاده عن مصدر الخطر عند الضرورة، إلى جانب تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي له.
ويشدد على أن حماية الطفل لا تقتصر على معاقبة المعتدي بعد وقوع الجريمة، بل تتطلب توفير بيئة تمنع استمرار الخطر، سواء من خلال الأسرة أو المؤسسات الاجتماعية أو الجهات المختصة.
الحضانة مرهونة بمصلحة الطفل
أعادت قضية نور النقاش أيضًا حول قرارات الحضانة، ولا سيما عندما تظهر مؤشرات تدل على أن الطفل قد يكون معرضًا للخطر لدى أحد الوالدين.
ويوضح بازغلان أن الحضانة في القانون السوري لا تقوم على انتقال تلقائي للطفل بين الأب والأم، وإنما ترتبط بمصلحة الطفل وقدرة الحاضن على تأمين الرعاية والحماية اللازمتين له.
ويؤكد أن الحضانة ليست حقًا مطلقًا لأي من الوالدين. فإذا ثبت أن أحدهما غير قادر على حماية الطفل أو أنه يعرضه للأذى، يمكن اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بما يحقق مصلحة الطفل أولًا.
أما في الحالات التي يعجز فيها الوالدان عن توفير بيئة آمنة، فيرى أنها تستوجب تدخل منظومة الحماية والرعاية البديلة، وفق الضوابط القانونية، لضمان عدم بقاء الطفل في مكان يهدد سلامته.
وفي قضية نور، تكتسب مسألة الحضانة أهمية إضافية بسبب قول والدتها إنها شاهدت آثار الضرب بعد انتقال الطفلة إلى منزل والدها، وإنها حاولت إبلاغ الجهات المعنية. أما ما إذا كانت هذه الشكاوى قد وصلت إلى القضاء، وكيف جرى التعامل معها، فهما مسألتان يفترض أن تكشفهما التحقيقات ومراجعة الإجراءات السابقة.
منطقة رمادية بين التأديب والعنف
يرى بازغلان أن قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 يشكل إطارًا واسعًا للحماية، لكنه يعتقد أن بعض النصوص القانونية الأخرى تحتاج إلى مراجعة، ولا سيما تلك المتعلقة بالعنف داخل الأسرة.
ويشير إلى المادة 185 من قانون العقوبات السوري، المعروفة باسم “ضروب التأديب”، التي تعفي، في حالات معينة، الأب أو المعلم أو المربي من المسؤولية عن بعض أفعال الضرب أو الإيذاء الواقعة ضمن ما يعتبره القانون أو العرف تأديبًا.
وبحسب بازغلان، قد يؤدي هذا النص إلى التساهل مع بعض حالات الضرب ما لم تسفر عن أذى جسدي كبير أو عاهة دائمة، في حين تؤكد المقاربات الحديثة في علم النفس والاجتماع والتربية أن الضرب والإهانة، سواء كانا جسديين أو لفظيين، يتركان آثارًا طويلة الأمد في شخصية الطفل واستقراره النفسي.
كما يتناول المادة 138 من قانون الأحوال الشخصية، المرتبطة بانتقال الحضانة في بعض الحالات عند زواج الأم المطلقة، معتبرًا أن هذا النص يحتاج إلى مراجعة، وأن مصلحة الطفل وسلامته ينبغي أن تكونا المعيار الأساس في أي قرار يتعلق بالحضانة.
ويرى أن تعزيز حماية الأطفال يتطلب تضافر جهود مؤسسات الدولة، من خلال دور توعوي لوزارة الأوقاف، ودور ثقافي لوزارة الثقافة، ودور اجتماعي وتنموي لوزارة الشؤون الاجتماعية، إضافة إلى متابعة جادة لبلاغات العنف من قبل وزارة الداخلية، ومراجعة التشريعات من قبل وزارة العدل.
مؤسسات متعددة… ومسار غير واضح
يرى ماهر رزق أن التعامل مع العنف ضد الأطفال لا ينبغي أن يبدأ بعد وصول الحالة إلى الشرطة، بل منذ ظهور المؤشرات الأولى في المدرسة أو الحي أو المجتمع المحلي.
ويقول إن المسؤولية الأساسية في مجال الحماية الاجتماعية تقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية، من دون إغفال أدوار الشرطة والقضاء والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى العاملين في قطاعي التعليم والصحة.
ويضيف أن مواجهة العنف تمر بثلاث مراحل مترابطة: الوقاية ومنع الطفل من الدخول في دائرة العنف، والتدخل عند اكتشاف الحالة، ثم تقديم الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل لمن تعرضوا للأذى.
ويحذر من أن آثار العنف لا تتوقف عند حدود النجاة الجسدية، بل قد تستمر في صورة اضطرابات نفسية واجتماعية تؤثر في شخصية الطفل وقدرته على التعلم والاندماج والثقة بالآخرين، فضلًا عن الكلفة التي تتطلبها عمليات العلاج والتأهيل.
غير أن فاعلية هذا المسار تتطلب تنسيقًا حقيقيًا بين المؤسسات؛ فقد يلاحظ المعلم تغيرًا في سلوك الطفل، أو تستقبل الشرطة شكوى، أو تنظر المحكمة في قضية حضانة، لكن الحماية قد تتعثر عندما تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، من دون أن تتولى جهة واحدة متابعة الحالة منذ بدايتها وحتى تأمين بيئة آمنة للطفل.
العودة إلى الزيارة الأخيرة
بالنسبة إلى والدة نور، لا تبدأ القضية من مواد القانون ولا من أرقام المنظمات الدولية، بل من الزيارتين اللتين تمكنت خلالهما من رؤية ابنتها بعد انتقال حضانتها.
في كل مرة، كانت تحاول أن تعرف سبب الكدمات التي ظهرت على جسد طفلتها. وتقول إنها اشتكت وناشدت، لكنها لم تستطع تغيير المكان الذي كانت نور تعيش فيه، ولم تتمكن من رؤيتها بالقدر الذي يسمح لها بمتابعة حالتها.
وبعد مقتل الطفلة، تحركت التحقيقات، وأوقف مشتبه بهم، وعادت قوانين الحضانة وآليات حماية الأطفال إلى واجهة النقاش العام. لكن كل ذلك جاء بعدما أصبحت نور ضحية، ولم تعد طفلة تنتظر تدخلًا ينقذها.
ولا تستطيع أمها اليوم العودة إلى الزيارة الأولى، ولا عرض الكدمات على جهة أخرى، ولا طرق باب جديد. ما بقي لديها هو السؤال عن الشكاوى التي تؤكد أنها قدمتها، وعن اللحظة التي كان يمكن فيها إخراج ابنتها من دائرة الخطر.
فبالنسبة إليها، لم تكن آثار الضرب مؤشرًا يحتاج إلى تفسير بعد وقوع الجريمة، بل كانت استغاثة صامتة رأتها على جسد ابنتها، ثم غادرت بعد الزيارة من دون أن تتمكن من إنقاذها.