أثار قرار وزارة الطاقة السورية خفض سعر طن الفيول الصناعي من 475 إلى 400 دولار، بانخفاض قدره 75 دولارًا، وبنسبة تقارب 15.8%، ترحيبًا في الأوساط الاقتصادية والصناعية، باعتباره خطوة تخفف جانبًا من أعباء التشغيل وتدعم قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
غير أن خبراء وصناعيين رأوا أن القرار، رغم أهميته، لا يكفي بمفرده لإحداث تحول واسع في واقع الصناعة السورية، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الكهرباء والمواد الأولية والنقل، وضعف البنية التحتية، وصعوبات التمويل والتصدير، فضلًا عن ملاحظات تتعلق بجودة الفيول وكفاءته التشغيلية.
استجابة لمطالب الصناعيين
قال الخبير الاقتصادي وعضو الهيئة التدريسية في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور عبد الرؤوف نحاس، لموقع سوريا 24، إن قرار تخفيض سعر الفيول جاء استجابة لمطالب رفعها الصناعيون خلال الفترة الماضية عبر القنوات الرسمية وغرف الصناعة.
وأوضح نحاس أن ارتفاع أسعار حوامل الطاقة يمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه المنشآت الصناعية السورية، ولا سيما في ظل المنافسة المتزايدة مع البضائع المستوردة من الدول المجاورة.
وأشار إلى أن اعتماد اقتصاد السوق وفتح المجال أمام المنافسة يفرضان توفير أدوات دعم حقيقية للصناعي السوري، بما يساعده على تخفيض كلف الإنتاج ومواجهة السلع المستوردة داخل السوق المحلية.
الصناعة ركيزة للنمو
رأى نحاس أن أي تحسن في معدلات النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة في سوريا يجب أن يستند بصورة أساسية إلى تطوير القطاع الصناعي.
وأكد أهمية الصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي، من خلال تحويل المنتجات الزراعية من مواد أولية إلى سلع مصنعة ذات قيمة مضافة، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وجلب القطع الأجنبي.
واعتبر أن تخفيض أسعار الطاقة يشكل خطوة أساسية لدعم هذه العملية، لكنه يحتاج إلى أن يُستكمل بإجراءات أخرى تعزز تنافسية المنشآت السورية.
وفر مباشر للمنشآت
من جانبه، قال عضو الهيئة التدريسية في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، الدكتور عبد الحميد الوليد الصباغ، إن خفض سعر الفيول بمقدار 75 دولارًا للطن سيخفف بصورة مباشرة تكاليف التشغيل، ويحسن هوامش ربح المنشآت.
وأوضح، في تصريح خاص لموقع سوريا 24، أن المنشأة التي تستهلك 100 طن من الفيول يمكن أن تحقق وفرًا يبلغ نحو 7500 دولار، فيما يصل الوفر إلى 37 ألفًا و500 دولار عند استهلاك 500 طن، وإلى 75 ألف دولار للمنشأة التي تستهلك ألف طن.
وأشار إلى أن القطاعات الأكثر استفادة من القرار هي الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، وفي مقدمتها الإسمنت والحديد والسيراميك والزجاج، إضافة إلى صناعات النسيج وصباغة الأقمشة وبعض الصناعات الغذائية.
أثر متفاوت على كلف الإنتاج
بيّن الصباغ أن الطاقة تشكل ما بين 20 و40% من إجمالي كلف الإنتاج في بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك، ولذلك فإن أثر التخفيض سيختلف من منشأة إلى أخرى بحسب طبيعة النشاط وحجم الاعتماد على الفيول.
ولفت إلى أن القرار لن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض كبير وفوري في أسعار المنتجات النهائية، لأن الطاقة تمثل عنصرًا واحدًا فقط من عناصر الكلفة الكلية.
وتوقع أن يظهر أثر القرار تدريجيًا خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال تسجيل انخفاض محدود وغير فوري في أسعار بعض السلع، في حال استقرار السعر الجديد وانتظام التوريد.
غرفة الصناعة تطالب بخفض الكهرباء
بدوره، وصف رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، محمد أيمن المولوي، في تصريحات صحفية، قرار خفض سعر الفيول بأنه خطوة إيجابية من شأنها تخفيف تكاليف الإنتاج ودعم القطاع الصناعي.
وأشار المولوي إلى أن الغرفة والفعاليات الصناعية طالبتا وزارتي الاقتصاد والطاقة باتخاذ هذا الإجراء، بهدف تقريب أسعار الطاقة المحلية من المستويات الإقليمية والعالمية.
وأكد أن الصناعة تمثل قاطرة أساسية للنمو الاقتصادي، ما يستدعي مواصلة دعمها وتمكينها من رفع قدرتها التنافسية وزيادة صادرات المنتجات السورية.
وأعرب عن أمله في أن تتبع هذه الخطوة إجراءات إضافية، وفي مقدمتها خفض أسعار الكهرباء المخصصة للقطاع الصناعي.
هل تعود المصانع المتوقفة؟
رأى الخبير الصباغ أن خفض سعر الفيول قد يشجع بعض المنشآت المتوقفة على استئناف نشاطها، أو يدفع مصانع عاملة إلى توسيع إنتاجها.
لكنه أكد أن القرار لن يكون كافيًا بمفرده، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الكهرباء والمواد الأولية والنقل، وضعف شبكات الكهرباء والطرق، وصعوبات التمويل، وتأمين قطع الغيار، وفتح الاعتمادات المستندية.
وأضاف أن المنتجات السورية ما تزال تواجه منافسة شديدة مع السلع المستوردة، ولا سيما التركية، نتيجة الفوارق في تكاليف الإنتاج والطاقة والتمويل وحجم الإنتاج.
صناعي: جودة الفيول تقلص الوفر المتوقع
في المقابل، قال صناعي سوري، فضّل عدم نشر اسمه، إن الاستفادة الفعلية من قرار خفض السعر لا ترتبط بسعر الطن وحده، بل بجودة الفيول وكفاءته الحرارية.
وأوضح الصناعي أن بعض المنشآت أبدت، خلال الفترة الماضية، ملاحظات بشأن كفاءة الفيول المتاح، مشيرًا إلى أن تدني القيمة الحرارية للمادة قد يدفع المنشآت إلى استهلاك كميات أكبر للوصول إلى درجات الحرارة المطلوبة.
وأضاف أن الفيول المحتوي على نسب مرتفعة من المياه أو الشوائب قد يؤدي إلى زيادة الترسبات في الشعلات والأفران، ورفع تكاليف الصيانة والتنظيف، والتسبب في توقفات تشغيلية متكررة.
وبيّن أن هذه العوامل قد تقلص جزءًا من الوفر الناتج عن تخفيض السعر، لأن المعيار الحقيقي لا يقتصر على سعر الطن، بل يشمل مقدار الطاقة التي ينتجها وكلفة استخدامه داخل المنشأة.
مطالب بفحص الشحنات
وطالب الصناعي بإجراء اختبارات مخبرية منتظمة للفيول المورد إلى المنشآت، والتحقق من قيمته الحرارية ونسب الرطوبة والكبريت والشوائب.
كما دعا إلى الإعلان عن المواصفات الفنية للشحنات، ووضع آلية واضحة تتيح للصناعيين تقديم اعتراضات عند ورود كميات غير مطابقة للمواصفات.
وأكد ضرورة ضمان وصول الفيول إلى المنشآت المرخصة بالكميات المطلوبة، واعتماد آليات توزيع شفافة تمنع تسرب المادة إلى السوق السوداء، أو اضطرار الصناعيين إلى شرائها بأسعار أعلى.
تأثير محدود على الأسعار وفرص العمل
توقع الخبير الصباغ أن يؤدي القرار إلى تحسن تدريجي في مستويات الإنتاج، ولا سيما لدى المنشآت كثيفة استهلاك الطاقة، إضافة إلى تثبيت جزء من العمالة الحالية، وخلق فرص عمل محدودة.
كما رجّح أن يسهم التخفيض في تحسين طفيف لمناخ الاستثمار، وزيادة اهتمام المصانع بمصادر الطاقة البديلة.
لكنه أشار إلى أن أثر القرار في التنافسية الخارجية سيبقى محدودًا، ما لم تتراجع بقية عناصر الكلفة، وتتحسن شروط التمويل والتصدير.
خطوة إيجابية تحتاج إلى إجراءات مكملة
وتتقاطع آراء الخبراء وممثلي القطاع الصناعي في اعتبار خفض سعر الفيول خطوة إيجابية و«متنفسًا» للمنشآت الصناعية، لكنها تبقى إجراءً جزئيًا لا يعالج بمفرده المشكلات المتراكمة في القطاع.
ويرى الخبراء أن تحقيق أثر اقتصادي أوسع يتطلب خفض أسعار الكهرباء، وضمان جودة حوامل الطاقة وانتظام توريدها، ودعم المواد الأولية، وتحسين البنية التحتية، وتسهيل التمويل والتصدير، إلى جانب حماية المنتج المحلي من المنافسة غير المتكافئة.