في الرقة… طوابير العملة تبتلع التمديد وتفتح سوقاً للاستغلال

حجم الخط

منذ ساعات الصباح الأولى، تتشكل أمام مركز تبديل العملة في مدينة الرقة طوابير طويلة لا يبدو أن لها نهاية قريبة. رجال ونساء ومسنون ينتظرون تحت أشعة الشمس، يحمل كل واحد منهم رزمة من الأوراق النقدية القديمة، خشية أن تنتهي المهلة قبل أن يتمكن من استبدالها.

وتُظهر الصور الواردة من أمام المركز حشوداً من المواطنين يحتشدون في محيط المبنى، فيما يحاول العاملون تنظيم الدور وسط تدافع واحتقان متصاعد.

بعض المنتظرين حضر للمرة الثانية أو الثالثة، بعدما عاد في الأيام السابقة من دون إنجاز معاملته، في حين سُجلت حالات إغماء نتيجة الانتظار الطويل وارتفاع درجات الحرارة، بحسب شهادات محلية.

في الرقة، لا تبدو عملية تبديل العملة مجرد إجراء نقدي، فقد تحولت، خلال الأيام الأخيرة، إلى اختبار لقدرة المؤسسات على إدارة عملية تمس مدخرات السكان وحياتهم اليومية، في مدينة خُصص لها مركز واحد لاستقبال أعداد كبيرة من الراغبين في التخلص من الأوراق القديمة.

مركز واحد وثلاثة استحقاقات

أرجع المركز الإعلامي في مدينة الرقة الازدحام إلى تزامن عملية استبدال العملة مع صرف مستحقات القمح للمزارعين ورواتب المتقاعدين، ما أدى إلى تجمع ثلاثة استحقاقات مالية في موقع واحد وخلال فترة زمنية محدودة.

لكن هذا التفسير لم يقنع كثيراً من السكان، الذين يرون أن تزامن المواعيد كان معروفاً مسبقاً، وكان ينبغي أن يدفع الجهات المعنية إلى فتح مراكز إضافية، أو تخصيص نوافذ منفصلة لكل فئة، بدلاً من ترك مئات الأشخاص أمام منفذ وحيد.

يقول عدنان المصطفى لموقع سوريا 24 إنه يتردد منذ يومين إلى المركز من دون أن يتمكن من تبديل أمواله بسبب شدة الازدحام. ويضيف أن المركز لا يسمح للشخص باستبدال أكثر من مليون ليرة سورية، ما يضطر أصحاب المبالغ الأكبر إلى العودة مرات عدة، من دون ضمان الوصول إلى النافذة في كل مرة.

ولا يرى المواطن أحمد الحسن أن حصر العملية في مركز واحد كان الخيار الوحيد المتاح. فبالنسبة إليه، كان يمكن سحب العملة القديمة تدريجياً عبر المؤسسات العامة، مثل الأفران ومحطات الوقود والدوائر الحكومية، على أن تتوقف هذه الجهات عن إعادة ضخ الأوراق القديمة في السوق.

ويقول لموقع سوريا 24 إن هذه الآلية كانت ستخفف الضغط عن السكان، وتسمح بسحب الكتلة النقدية بصورة أكثر انتظاماً، بدلاً من نقل العبء كله إلى المواطنين.

تمديد لا يبدد المخاوف

كان مصرف سوريا المركزي قد أعلن تمديد المهلة المخصصة لاستبدال العملة القديمة، في محاولة لمنح المواطنين وقتاً إضافياً لإخراج ما بحوزتهم من أوراق نقدية من التداول.

غير أن قرار التمديد لم يبدد القلق في الرقة، إذ يرى السكان أن إضافة أيام جديدة إلى المهلة لا تكفي ما لم ترافقها زيادة في عدد المراكز وكميات العملة الجديدة المتاحة.

ويتساءل خلف العبد الله عن جدوى تمديد المهلة من دون توسيع القدرة التشغيلية للمراكز، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في عدد الأيام فقط، بل في عدد الأشخاص الذين يستطيع المركز استقبالهم يومياً.

بالنسبة إليه، تحتاج الرقة، بما تضمه من سكان وأرياف مترامية، إلى مراكز موزعة جغرافياً، لا إلى طابور واحد يختصر المدينة كلها.

مليارات الليرات خارج النوافذ

تأتي الأزمة المحلية ضمن عملية نقدية أوسع تستهدف سحب كتلة ضخمة من العملة السورية القديمة من الأسواق. ووفق الأرقام المتداولة عن العملية، قُدرت الكتلة النقدية المستهدفة بنحو 42 تريليون ليرة سورية قديمة.

وأظهرت البيانات المعلنة خلال مراحل الاستبدال ارتفاع نسبة الأموال المسحوبة تدريجياً، إلا أن جزءاً مهماً من الكتلة بقي في حوزة السكان والتجار حتى الأسابيع الأخيرة، ولا سيما في المناطق التي تعاني من قلة المراكز ونقص العملة الجديدة.

ولا تتوافر أرقام رسمية تفصيلية تحدد حجم الأموال القديمة الموجودة في محافظة الرقة وحدها. لكن كثافة الطوابير، وحجم الإقبال خلال الأيام الأخيرة، يشيران إلى أن مبالغ كبيرة بقيت خارج قنوات الاستبدال حتى اقتراب انتهاء المهلة.

ويطرح المواطن باسم الحسين سؤالاً يتردد بين المنتظرين: إذا لم تكن كميات العملة الجديدة المتوافرة كافية لتلبية الطلب، فلماذا أُطلقت العملية بهذه الآلية؟

ويطالب الحسين بضخ كميات إضافية من الأوراق الجديدة، ورفع سقف الاستبدال المسموح به لكل شخص، معتبراً أن السقف الحالي يضاعف عدد المراجعات ويزيد الضغط على المركز.

عندما يصبح لليرة سعران

خارج الطابور الرسمي، ظهرت سوق موازية أكثر قسوة. فبحسب عدد من السكان، استغل بعض الصرافين والتجار حاجة الناس إلى التخلص من العملة القديمة، وبدأوا التعامل معها بقيمة مختلفة عن العملة الجديدة.

ووصل سعر الدولار، وفق إفادات محلية، إلى نحو 20 ألف ليرة عند الدفع بالأوراق القديمة، مقابل قرابة 13 ألفاً و200 ليرة عند الدفع بالعملة الجديدة.

وهكذا وجد حامل الأوراق القديمة نفسه أمام معادلة صعبة: إما الانتظار ساعات طويلة، وربما العودة أياماً متتالية، أو قبول خسارة جزء كبير من قيمة أمواله لدى بعض الصرافين.

ويرى مروان العلي، من سكان المدينة، أن الأخطاء التي رافقت تنفيذ القرار لم تؤد إلى ازدحام إداري فحسب، بل أسهمت في خلق سوق غير رسمية بين نسختين من العملة ذاتها.

ويقول لموقع سوريا 24 إن المواطن الذي لا يستطيع الوصول إلى المركز يتحول إلى الطرف الأضعف في المعاملة، بينما يملك الصراف أو التاجر القدرة على فرض السعر، مستفيداً من ضيق الوقت وحاجة الناس.

جدل شرعي إلى جانب الخسائر

لم تتوقف مخاوف السكان عند حدود الخسائر المالية، فقد أثار اختلاف القيمة بين العملة القديمة والجديدة تساؤلات بشأن طبيعة هذه المعاملات ومدى توافقها مع الضوابط الشرعية.

ويرى بعض الأهالي أن استغلال حاجة الناس، وشراء العملة القديمة بقيمة تقل كثيراً عن نظيرتها الجديدة، يفتح الباب أمام معاملات ملتبسة، خصوصاً عندما تُفرض الفروق على مواطنين لا يملكون بديلاً عملياً.

ويعزز هذا الجدل حجم القلق الذي أحدثته العملية، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بتبديل أوراق نقدية فقط، بل بثقة السكان في عدالة الآلية وقدرتها على حماية مدخراتهم من الاستغلال.

توقيف صرافين… والأزمة مستمرة

وفي محاولة للحد من التجاوزات، أوقفت قوات الأمن الداخلي عدداً من الصرافين، على خلفية اتهامات باستغلال المواطنين وابتزازهم خلال عملية تبديل العملة.

لكن هذه الإجراءات، بحسب سكان في الرقة، لا تعالج جذور المشكلة، فالسوق الموازية لم تظهر بمعزل عن نقص المراكز وطول الطوابير، بل نشأت في المسافة الفاصلة بين حاجة الناس إلى العملة الجديدة وعجز القنوات الرسمية عن استيعاب الطلب.

ويطالب الأهالي بفتح مراكز إضافية، وزيادة كميات العملة الجديدة، ورفع سقف الاستبدال، إلى جانب تمديد المهلة مرة أخرى بما يتناسب مع واقع المدينة وأريافها.

ومع استمرار الحشود أمام المركز، تبدو الرقة أمام مفارقة قاسية: قرار صُمم لتنظيم السوق النقدية، لكنه وضع آلاف السكان في سباق مع الوقت، وترك البعض منهم بين طابور لا يتحرك سريعاً وسوق موازية تقتطع جزءاً من مدخراتهم.

وفي نهاية الطابور، لا يسأل المنتظرون عن النظريات النقدية ولا عن نسب الاستبدال الوطنية، فسؤالهم أكثر بساطة وإلحاحاً: هل سيتمكنون من الوصول إلى النافذة قبل أن تفقد الأوراق التي يحملونها قيمتها؟