مبادرات مجتمعية ودعوات لتشريعات تضع مصلحة الطفل أولاً

حجم الخط

ثغرات قانونية وإجرائية تتطلب مراجعة شاملة، كشف عنها ازدياد حالات قتل الأطفال مؤخراً في سوريا، ومطالبات بإعادة النظر في القوانين الناظمة للحضانة والولاية والوصاية، بما يضمن حماية الأطفال ويمنع تكرار المآسي، إذ يجب أن تكون حماية الأطفال أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

وفي هذا السياق، أصدرت مبادرة “أولادي من حقي” بياناً دعت فيه إلى إجراء إصلاحات قانونية عاجلة، مؤكدة أن تكرار الحوادث التي تودي بحياة الأطفال أو تنتهك حقوقهم النفسية بعد الطلاق أو وفاة أحد الوالدين، يفرض إعادة تقييم قوانين الحضانة والولاية والوصاية.

وتحولت قضية مقتل الطفلة نور الدواس في محافظة درعا إلى قضية رأي عام، بعدما أثارت موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين.

ولا تبدو الحالة معزولة، إذ جاء بعدها بأيام قليلة مقتل الطفلة علا خميس في محافظة دير الزور، وقبلها الطفلة فرح من درعا، وفي ظل تسجيل حوادث أخرى أودت بحياة أطفال خلال فترة وجيزة، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تصاعد العنف ضد الأطفال داخل الأسرة والمجتمع، وسط مطالبات بتشديد إجراءات الحماية والتدخل المبكر.

وتقول يافا نواف، منسقة المبادرة وناشطة إعلامية في مجال حقوق المرأة والطفل، لـ”سوريا 24“، إن المطلوب لا يقتصر على إصدار أحكام قضائية تحدد الحاضن أو الوصي، وإنما إنشاء آلية رقابية تتابع أوضاع الأطفال بعد صدور تلك الأحكام، من خلال تعيين مراقب قضائي أو جهة مختصة تتولى التحقق من ظروفهم المعيشية والنفسية، ورصد أي مؤشرات على الإهمال أو العنف أو سوء المعاملة.

وأكدت أن الرعاية الحقيقية للأطفال لا ترتبط بالوضع المادي بقدر ارتباطها بالمسؤولية الإنسانية، مشددة على أن مصلحة الطفل يجب أن تبقى المعيار الأول في جميع القرارات القضائية والتشريعية.

وطالبت المبادرة بتعديل قوانين الحضانة والولاية والوصاية بما ينسجم مع مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى”، وتعزيز حق الأطفال في الحماية النفسية والاجتماعية، إلى جانب تمكين الجهات المختصة من التدخل السريع عند ظهور مؤشرات خطر، واستحداث نظام رقابي قضائي لمتابعة أوضاع الأطفال بعد صدور أحكام الحضانة أو الوصاية.

ووفقاً ل فقد وثّقت مقتل 80 طفلاً في سوريا خلال النصف الأول من عام 2026، فيما تؤكد منظمات أممية أن ملايين الأطفال ما زالوا يواجهون مخاطر متعددة، تشمل العنف والإهمال والاستغلال، في ظل استمرار هشاشة منظومة الحماية.

وأكدت الشبكة في تقريرها نصف السنوي أن الحق في الحياة مكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، مشددة على مسؤولية السلطات والقوى المسيطرة عن حماية المدنيين، ومنع الحرمان التعسفي من الحياة، وإجراء تحقيقات مستقلة في حوادث القتل، ومحاسبة المسؤولين عنها.

حملة بدأت بتوثيق معاناة النساء

وتوضح يافا نواف أن المبادرة انطلقت من جلسات استماع مع نساء تضررن من تطبيقات قوانين الحضانة والولاية والوصاية، بهدف توثيق تجاربهن ورصد أبرز المشكلات القانونية التي واجهنها.

وتبين أن الولاية تتعلق بالحالات التي يكون فيها الوالدان على قيد الحياة بعد الطلاق، كما في قضية الطفلة نور، بينما تطبق أحكام الوصاية في حال وفاة الأب، حيث تنتقل صلاحيات اتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال إلى الوصي وفق القانون.

وأضافت أن المبادرة انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة المشاورات القانونية، عبر جلسات جمعت محامين وحقوقيين وأعضاء في مجلس الشعب، إضافة إلى التواصل مع دار الإفتاء، باعتبارها مرجعية معنية ببيان مدى توافق التعديلات المقترحة مع أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة في ظل ربط بعض الأصوات بين المطالبة بتعديل القوانين ومخالفة الأحكام الشرعية.

لجنة قانونية وتوصيات للإصلاح

أفضت المشاورات إلى تشكيل لجنة ضمت ممثلين عن الجهات القانونية والتشريعية والدينية، تولت إعداد ورقة توصيات لإصلاح القوانين المتعلقة بالحضانة والولاية والوصاية.

ومن ضمن الإجراءات، أطلقت المبادرة استبياناً شاركت فيه نحو 400 امرأة من مختلف المحافظات السورية، تناول أوضاعهن الاجتماعية، والتحديات التي واجهنها في ملفات الولاية والوصاية، ومدى تأثرهن بالنصوص القانونية والإجراءات القضائية.

وأضافت أن نتائج الاستبيان، إلى جانب شهادات النساء التي جُمعت خلال جلسات الاستماع، شكلت مرجعاً أساسياً للجنة القانونية في إعداد توصياتها.

كما نفذت المبادرة حملة حشد ومناصرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شارك فيها إعلاميون وحقوقيون ومؤثرون وأعضاء في السلطة التشريعية، ركزت على ضرورة جعل “مصلحة الطفل الفضلى” الأساس الذي تستند إليه التشريعات الناظمة للحضانة والولاية والوصاية.

من التوصيات إلى المطالبة بالتغيير

واختتمت المبادرة أعمالها بعقد مؤتمر في مدينة حلب، حضره مسؤولون محليون وممثلون عن الجهات المعنية، جرى خلاله الإعلان عن ورقة التوصيات، قبل تسليمها إلى أعضاء مجلس الشعب بالتزامن مع انعقاد أولى جلسات المجلس. وأكدت نواف أن المرحلة المقبلة تستهدف توسيع الحملة على المستوى الوطني.

وفي تعليقها على قضية الطفلة نور، شددت على أن الحفاظ على زخم الرأي العام يمثل عاملاً أساسياً لدفع الجهات المعنية إلى التحرك، بالتوازي مع استكمال المسارات القانونية والمؤسساتية، مؤكدة أن حماية الأطفال تستدعي إصلاحات تشريعية ورقابية تضمن عدم تكرار مثل هذه المآسي.

تركت حوادث قتل الأطفال الأخيرة صدمة واسعة في الشارع السوري، ويرى ناشطون أن العدالة لا تكتمل بمحاسبة الجناة فحسب، بل تتطلب مراجعة شاملة للتشريعات الناظمة للحضانة والولاية والوصاية، وإقرار قانون متكامل لحماية الطفل يضع مصلحته الفضلى فوق أي اعتبار، ويؤسس لآليات رقابة وتدخل مبكر تمنع وقوع العنف قبل أن يتحول إلى مأساة جديدة.

وتختم نواف حديثها إلينا بالقول إن كل قضية تنتهي بمقتل طفل تعني أن ثغرة في منظومة الحماية ما تزال قائمة، وإن إصلاحها لم يعد خياراً، بل ضرورة لحماية حياة الأطفال وحقوقهم.