لم تكن لحظة إعلان النتائج بالنسبة إلى ماهر عبد الرؤوف نحاس مجرد معرفة رقم على شاشة، بل كانت تتويجاً لسنوات من الالتزام والعمل الهادئ. ففي الوقت الذي كان فيه كثير من الطلاب يترقبون نتائج الثانوية العامة، اكتشف ماهر أنه لم ينجح فحسب، بل تصدّر الفرع العلمي على مستوى سوريا، بعد حصوله على العلامة التامة: 2400 من 2400.
كان ماهر يقضي وقته مع صديقه محمد علي قبل إعلان النتائج. وعندما حاول التواصل مع أفراد عائلته لمعرفة النتيجة، لم يكن أحد منهم قد تمكّن من الوصول إليها، بسبب الضغط الكبير على موقع وزارة التربية. وبعد ظهور النتيجة أخيراً، جاءت المفاجأة التي لم يتوقعها، رغم ثقته بنفسه.
يقول ماهر لـ«سوريا 24»: «عندما علمت أنني الأول على مستوى سوريا، جلست على الأرض من شدة المفاجأة والفرح، وبدأت أردد: الأول على سوريا». ويضيف أن صديقه محمد علي كان أول من شاركه هذه اللحظة، وأن فرحته كانت من أجمل تفاصيل ذلك اليوم.
عام دراسي بين الضغط والتنظيم
لم يكن طريق الوصول إلى العلامة الكاملة سهلاً، إذ واجه ماهر خلال العام الدراسي تحديات عدة، كان أبرزها ضغط المناهج وكثرة ساعات الدراسة. ورغم أن البعض قد يربط التفوق بالدراسة لساعات طويلة فحسب، اعتمد ماهر على تنظيم وقته والحفاظ على قدرته على الاستمرار.
ويشير إلى أنه كان يدرس في بعض الأيام ما بين 15 و16 ساعة عند تراكم الدروس، لكنه كان يحرص على أخذ فترات راحة منتظمة، مؤكداً أن الراحة كانت جزءاً أساسياً من خطته للحفاظ على تركيزه.
ويقول: «كنت أحرص غالباً على أن يكون يوم الخميس يوم راحة، ولم أكن أدرس ليلاً، بل كنت أنام عند الساعة الحادية عشرة مساءً. أما متوسط دراستي اليومية فكان يقارب خمس ساعات، ويرتفع عند الحاجة».
ورغم أن قرب منزله من المدرسة خفّف عنه صعوبات المواصلات التي يعاني منها كثير من الطلاب، فإن كثرة العطل الدراسية شكّلت تحدياً أمام الحفاظ على خطته الدراسية، ولا سيما في المواد الأساسية.
الرياضيات.. الامتحان الأصعب
شكّل امتحان الرياضيات إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل بين الطلاب هذا العام، إلا أن ماهر يرى أن التعامل مع المادة لم يكن مرتبطاً بحفظ نماذج الأسئلة السابقة، بل بفهم المنهاج كاملاً.
ويقول: «الأسئلة كانت من الكتاب، لكنها جاءت بطريقة جديدة وغير تقليدية؛ لذلك كان لا بد من فهم جميع التفاصيل، لا الاعتماد على أسئلة الدورات السابقة فحسب».
ويضيف أن خروجه من امتحان الرياضيات ولقاءه بصديقه محمد علي كانا من أكثر اللحظات التي بقيت في ذاكرته، إذ تبادلا الحديث عن الأسئلة وشعرا بالاطمئنان بعد انتهاء الامتحان، في وقت كان فيه بعض الطلاب يغادرون القاعات وهم يشعرون بالقلق من صعوبة الأسئلة.
الثقة بالهدف منذ البداية
لم تكن العلامة الكاملة حلماً ظهر في نهاية العام، بل هدفاً وضعه ماهر منذ البداية. فقد استند إلى تفوقه السابق في شهادة التعليم الأساسي، وإلى إيمانه بأن الاجتهاد المستمر يمكن أن يقوده إلى تحقيق طموحه.
ويؤكد أن ثقته لم تكن مبنية على توقّع النتيجة فحسب، بل على بذل الجهد أيضاً، قائلاً إن الإنسان، عندما يضع هدفاً واضحاً ويسعى إليه بإخلاص، يستطيع تجاوز كثير من الصعوبات.
أما المادة التي شكّلت له تحدياً خاصاً، فكانت التربية الإسلامية؛ إذ وجد أن منهاج الصف الثالث الثانوي يحتاج إلى جهد كبير في الحفظ واستيعاب الشواهد القرآنية والأحاديث، رغم أنه كان يعدّها مادة سهلة في الصف السابق.
عائلة صنعت بيئة النجاح
يرى والد ماهر أن تفوق ابنه لم يبدأ في الصف الثالث الثانوي، بل كان نتيجة مسار تربوي انطلق قبل سنوات، عندما حرصت الأسرة على بناء شخصية تقوم على الالتزام وتحمل المسؤولية.
ويقول لـ«سوريا 24» إن الأسرة لم تعتمد أسلوب الضغط النفسي، بل ركزت على التشجيع والمتابعة، حتى أصبح ماهر قادراً على تنظيم وقته واتخاذ قراراته الدراسية بنفسه.
ويضيف: «كنا نؤكد له دائماً أهمية التفوق والاجتهاد، ومع الوقت أصبح هذا الأمر قناعة داخلية لديه، لا مجرد توجيهات من الأسرة».
وأشار إلى أن الظروف العامة التي عاشها الطلاب خلال السنوات الماضية، بما فيها آثار الحرب وصعوبة الحصول على الخدمات، شكّلت تحديات حقيقية، لكن وجود هدف واضح ساعد ماهر على تجاوزها.
كما أكد أن والدة ماهر أدت دوراً أساسياً في رحلته، من خلال المتابعة المستمرة، وتوفير الأجواء المناسبة، وتقديم الدعم النفسي طوال سنوات الدراسة.
ولم يكن ماهر أول فرد في الأسرة يحقق هذا المستوى من التفوق؛ إذ سبقته شقيقته إلى إحراز المعدل الكامل في العام الماضي، ما شكّل حافزاً إضافياً له على الاستمرار.
من الثانوية إلى الطب
بعد حصوله على العلامة الكاملة وتصدّره الفرع العلمي على مستوى سوريا، يتطلع ماهر إلى المرحلة المقبلة من رحلته، إذ يطمح إلى دراسة الطب البشري والتخصص في جراحة العظام.
ويرى أن النجاح الحقيقي لا يرتبط بالنتيجة النهائية فحسب، بل بالطريقة التي يصل بها الإنسان إلى هدفه، مؤكداً أن التنظيم والاستمرار والثقة بالنفس كانت عوامل أساسية في تجربته.
وبين فرحة الإنجاز وطموح المستقبل، تبدأ مرحلة جديدة في حياة ماهر نحاس، الطالب الذي أثبت أن التفوق ليس لحظة عابرة، بل ثمرة رحلة طويلة من العمل والانضباط.
