في قلب العاصمة دمشق، يشكّل كراج العباسيين نقطة عبور رئيسية لآلاف المواطنين يومياً، إذ يربط المدينة بالمحافظات السورية وبمناطق واسعة من ريف دمشق. لذلك، فإن أي تغيير يطرأ على هذا المركز ينعكس بشكل مباشر على حركة المواطنين الذين يعتمدون عليه في الوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم ومنازلهم.
وبعد سنوات من تراجع مستوى الخدمات وازدياد الشكاوى من الفوضى داخل المركز، بدأت محافظة دمشق، عبر إدارة هندسة المرور، مشروع إعادة تأهيل كراج العباسيين بتاريخ 1 تشرين الثاني 2025، على أن تنتهي الأعمال، وفق الجدول المحدد، في 15 أيار 2026.
وتقول المحافظة إن الهدف من المشروع هو تحسين البنية التحتية وتنظيم حركة النقل داخل المركز، إلا أن المواطنين والسائقين يرون أن نجاح التجديد لا يرتبط فقط بإصلاح المكان، بل بقدرته على معالجة المشكلات اليومية التي رافقت العمل فيه لسنوات، من سوء التنظيم ونقص الخدمات إلى صعوبة الحركة داخل الكراج.
مركز نقل يخدم عشرات الخطوط
توضح إدارة هندسة المرور في محافظة دمشق لـ«سوريا 24» أن أهمية كراج العباسيين تأتي من دوره كحلقة وصل بين العاصمة وعدد كبير من المحافظات والمناطق الريفية.
وبحسب الإدارة، يخدم المركز حالياً 41 خطاً باتجاه المحافظات المختلفة وأريافها، إضافة إلى 11 خطاً باتجاه ريف دمشق البعيد، ما يجعله أحد أهم مراكز الانطلاق الخارجية في دمشق.
وترى الإدارة أن تطوير المركز يمثّل جزءاً من جهود أوسع لتنظيم حركة النقل، نظراً لاعتماد أعداد كبيرة من المواطنين عليه بشكل يومي، وليس مجرد مشروع لتحسين موقع خدمي.
سنوات من التراجع دفعت نحو إعادة التأهيل
تشير إدارة هندسة المرور إلى أن منطقة القابون، التي يقع ضمن نطاقها مركز الانطلاق، تأثرت خلال سنوات الثورة، ما أدى إلى انخفاض حركة المسافرين وتراجع النشاط الخدمي والتجاري داخل الكراج.
وبحسب الإدارة، انعكس هذا الواقع على مستوى الخدمات، بعد عزوف عدد من المستثمرين عن تشغيل المنشآت الموجودة داخل المركز، بما فيها المطاعم والمحلات التجارية ودورات المياه ومكاتب قطع التذاكر.
وتشمل أعمال التأهيل الحالية إعادة تجهيز البنية التحتية، بما فيها شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وصيانة المباني الإدارية والمنشآت الاستثمارية، وتأمين الخدمات الأساسية للمسافرين، إضافة إلى إعادة تفعيل العمل على خطوط النقل المختلفة.
لكن بالنسبة للمستخدمين، فإن الاختبار الحقيقي للمشروع يبدأ بعد انتهاء أعمال الصيانة، عندما يصبح المواطن قادراً على قياس الفرق في تفاصيل رحلته اليومية.
المواطنون: نريد مركزاً منظماً لا مجرد مكان جديد
لا يختلف مستخدمو كراج العباسيين حول ضرورة إعادة تأهيله، لكنهم يؤكدون أن تحسين شكل المكان وحده لا يكفي، ما لم يرافقه تنظيم أفضل وخدمات أكثر ملاءمة.
تقول أم طلال، وهي عاملة تقيم في مدينة التل وتعتمد يومياً على الكراج للوصول إلى عملها في منطقة الحريقة وسط دمشق،لـ«سوريا 24»، إن إعادة التأهيل «خطوة جيدة»، معتبرة أن تحسين واقع المركز سيكون مفيداً لجميع مستخدميه.
لكنها تشير إلى أن استمرار أعمال التنفيذ تسبّب بصعوبات يومية، خصوصاً مع وجود الحفريات والغبار داخل موقع العمل، ما جعل حركة العبور أكثر صعوبة بالنسبة للركاب.
وترى أم طلال أن هذه الظروف يمكن تحمّلها مقابل الوصول إلى مركز نقل أفضل، لكنها تأمل انتهاء الأعمال ضمن المدة المحددة، وعودة الحركة إلى طبيعتها.
التنظيم الداخلي… المشكلة الأقدم في الكراج
يرى أبو حذيفة، وهو سائق سرفيس على خط الدوار الشمالي، أن مشكلات الكراج لم تكن مرتبطة فقط بحالة الطرقات، وإنما أيضاً بغياب التنظيم الواضح لحركة الخطوط.
ويقول لـ«سوريا 24» إن تغيّر مواقع وقوف المركبات وعدم وضوح أماكن الانطلاق كانا يتسببان بحالة من الإرباك بين السائقين والركاب، حيث كان المواطن يضطر أحياناً إلى البحث عن مكان الخط الذي يريد استخدامه.
ويعتبر أن تخصيص مواقع محددة للخطوط يمثّل خطوة مهمة نحو تنظيم الحركة، خصوصاً مع توزيع بعض المناطق ضمن نقاط أكثر وضوحاً، مثل خطوط الغوطة الشرقية والريف والمناطق الشمالية.
إلا أنه يؤكد أن نجاح هذه الخطوة يحتاج إلى إجراءات مرافقة، من بينها تعزيز الرقابة المرورية داخل الكراج، وتأمين عناصر لتنظيم حركة المركبات والممرات، إضافة إلى توفير مظلات لحماية المواطنين من حرارة الصيف والأمطار خلال الشتاء.
كما يشير إلى ضرورة تحسين البيئة العامة للمركز عبر زيادة المساحات الخضراء وتجهيز أماكن انتظار مناسبة للمواطنين.
خيارات النقل ووجهات الغوطة الشرقية
يرى علي نصر، طالب هندسة معلوماتية من سكان الغوطة الشرقية، أن إعادة تأهيل الكراج والطريق المحيط به تمثّل خطوة ضرورية لتحسين حركة النقل. ويقول لـ«سوريا 24» إن الوصول عبر الكراج مقبول حالياً، لكنه يشير إلى أن بعض مناطق الغوطة الشرقية كانت تعتمد سابقاً على الانطلاق من شارع الثورة، داعياً إلى الحفاظ على خيارات متعددة أمام المواطنين وعدم حصر الحركة في نقطة واحدة فقط.
كما يلفت إلى أن استمرار أعمال الحفر خلال أشهر الصيف جعل ظروف الانتظار أكثر صعوبة بسبب الحرارة والغبار، مؤكداً أن توفير المظلات وأماكن الانتظار سيكون من الخدمات التي يشعر المواطن من خلالها بتحسن حقيقي.
أصحاب الأنشطة التجارية ينتظرون عودة الحركة
لا تقتصر آثار مشروع التأهيل على الركاب والسائقين، إذ تشمل أيضاً أصحاب المحال والأنشطة الصغيرة داخل الكراج ومحيطه.
ويقول أبو محمد، صاحب كشك في المركز، لـ«سوريا 24» إن أعمال التطوير شملت الكراج والطريق المقابل له، مع تحسين الأرصفة والتوجه لإضافة الأشجار، ما قد يسهم في تحسين المشهد العام للمنطقة.
وأوضح أن أصحاب البسطات في محيط الكراج أوقفوا نشاطهم مؤقتاً خلال فترة الصيانة، لتسهيل حركة العمال وإنجاز الأعمال، فيما استمر نشاطه ضمن الموقع المسموح له باعتباره حاصلاً على ترخيص.
ويتوقع أبو محمد أن يؤدي انتهاء المشروع إلى زيادة الحركة التجارية وتحسن ظروف العمل بالنسبة للعاملين في المنطقة.
مركز جديد في القابون… ومستقبل مختلف للنقل
لا تعتبر محافظة دمشق مشروع إعادة تأهيل كراج العباسيين حلاً نهائياً، بل خطوة مرحلية ضمن خطة أوسع لتطوير منظومة النقل في العاصمة.
وتؤكد إدارة هندسة المرور لـ«سوريا 24» أن المركز الحالي سيستمر في أداء دوره إلى حين إنشاء مركز انطلاق جديد في منطقة القابون، حيث تجري دراسة الاستملاكات اللازمة للمشروع.
وبحسب الإدارة، يهدف المركز الجديد إلى العمل وفق معايير حديثة، مع بحث إمكانية ربطه مستقبلاً بمحطة المترو، والتكامل مع منظومة قطار الضواحي التي تعمل المؤسسة العامة للسكك الحديدية على تطويرها.
وبينما يستعد كراج العباسيين لمرحلة جديدة بعد إعادة تأهيله، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرة المشروع على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين.
فإصلاح البنية التحتية قد يحسّن شكل المركز، لكنه لن يكون كافياً وحده ما لم يترافق مع تنظيم فعّال، ورقابة مستمرة، وتكامل بين مختلف وسائل النقل، بحيث يتحول التجديد من مجرد تحسين للمكان إلى خطوة فعلية نحو نقل أكثر راحة وتنظيماً في دمشق.








