في عام دراسي لم يكن عاديًا، وبين انقطاع الكهرباء وتعطل الدراسة والظروف الصعبة التي أثرت في حياة الطلاب بمدينة حلب، خاضت الطالبة ريماز خلف العبدالله رحلتها الخاصة نحو تحقيق حلم طال انتظاره.
لم تكن الطريق سهلة، لكنها تمسكت بهدفها حتى النهاية، لتكتب اسمها بين أوائل سوريا في الشهادة الثانوية لعام 2026، محققة العلامة الكاملة، ومثبتة أن الإرادة والتنظيم والعمل المستمر قادران على صناعة النجاح مهما كانت التحديات.
حلم التفوق بدأ مبكرًا
قالت ريماز لـ”سوريا 24” إن فكرة الوصول إلى المجموع الكامل رافقتها منذ الصف التاسع، حين حاولت تحقيق هذا الهدف لكنها لم تنجح في ذلك الوقت، إلا أنها لم تعتبر التجربة إخفاقًا، بل دافعًا للعودة بمحاولة أقوى في مرحلة الشهادة الثانوية.
وأضافت أن عام البكالوريا اعتمد بشكل أساسي على التنظيم والانضباط، إذ وضعت خطة واضحة للدراسة، وحددت أوقاتًا للمراجعة والراحة، مؤكدة أن الحفاظ على التوازن النفسي كان عاملًا مهمًا لا يقل أهمية عن عدد ساعات الدراسة.
وأوضحت أنها كانت تحاول معرفة الوقت المناسب للتركيز وبذل جهد أكبر، والوقت الذي تحتاج فيه إلى الراحة واستعادة الطاقة، حتى تتمكن من متابعة الطريق بثبات.
عام دراسي مليء بالتحديات
وأشارت ريماز في حديثها لـ”سوريا 24” إلى أن العام الدراسي في حلب شهد ظروفًا استثنائية، إذ أدت الاشتباكات إلى توقف المدارس لنحو شهر، ما تسبب في تأخر المنهاج الدراسي وزيادة الضغوط على الطلاب.
وأكدت أن الاستسلام لم يكن خيارًا بالنسبة إليها، موضحة أن الطالب قد يواجه صعوبات كثيرة، لكن الاستمرار والعمل هما الطريق لتجاوزها.
ولفتت إلى أنها واجهت تحديات أخرى، منها التغييرات التي طرأت على منهاجي مادتي الديانة واللغة الإنكليزية، إضافة إلى صعوبة امتحان الرياضيات، فضلًا عن الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه.
وقالت إنها كانت تواصل الدراسة رغم انقطاع الكهرباء، مستخدمة ضوء الهاتف المحمول في بعض الأحيان لمتابعة المراجعة وإنجاز ما تبقى من دروسها.
امتحان الرياضيات… أصعب المحطات
كان امتحان الرياضيات من أكثر المحطات توترًا خلال رحلة ريماز، إذ خرج عدد كبير من الطلاب من القاعة وهم يشعرون بصعوبة الأسئلة.
وقالت لـ”سوريا 24”: “لاحظت أن كثيرًا من الطلاب خرجوا وهم يشعرون بالإحباط، لكن ثقتي بالله وبنفسي وبما درسته كانت أكبر، وبعد التصحيح اكتشفت أنني كنت متمكنة من المادة، والحمد لله”.
وأضافت أن هذه التجربة منحتها دفعة إضافية من الثقة، وساعدتها على خوض بقية الامتحانات بإصرار أكبر.
نجاح يحمل ذكرى الأب
لم يكن تفوق ريماز مجرد نتيجة دراسية بالنسبة إليها، بل حمل قيمة عاطفية كبيرة، إذ أرادت أن يكون نجاحها رسالة وفاء لوالدها الراحل الدكتور خلف العبدالله، الباحث والعالم السوري، وعميد كلية الكهرباء سابقًا، ومؤسس مخبر الإلكترونيات الدقيقة.
وقالت: “كنت أريد أن يفتخر بي أبي، فهذا كان حلمًا لدي منذ سنوات”.
لحظة إعلان النتائج… قلق تحول إلى فرحة
عند إعلان النتائج، عاشت ريماز وعائلتها لحظات من التوتر، بعدما حاولت الدخول إلى موقع النتائج أكثر من مرة لكنها لم تتمكن من الوصول إليه، ما أثار مخاوف من وجود مشكلة تقنية.
وقالت والدتها نورة السالم لـ”سوريا 24” إن العائلة عاشت لحظات من القلق، قبل أن تصل رسالة من ابنة أخيها تؤكد أن ريماز من أوائل سوريا وأنها حصلت على المجموع الكامل.
وأضافت أن اللحظة جمعت بين الخوف والفرح، وتحولت إلى ذكرى لا تُنسى للعائلة.
أم رافقت طريق النجاح
أكدت نورة السالم لـ”سوريا 24” أن الدعم النفسي كان من أهم العوامل التي ساعدت ابنتها خلال الفترة الأخيرة قبل الامتحانات، مشيرة إلى أنها حرصت على توفير الهدوء والاستقرار، ومساندتها بالدعاء والتشجيع وتخفيف الضغوط عنها.
وأوضحت أن تميز ريماز لم يبدأ في المرحلة الثانوية فقط، بل ظهر منذ طفولتها، إذ شاركت، وهي في الصف الرابع، في معرض دمشق الدولي بابتكار علمي، وكانت دائمًا قادرة على تجاوز الصعوبات والعودة سريعًا إلى التركيز والعمل.
بيت يحمل روح العلم
وترى نورة أن البيئة العلمية داخل الأسرة كان لها دور مهم في بناء شخصية ريماز، فوالدها كان باحثًا وعالمًا، وهي تحمل خبرة طويلة في المجال التربوي، كما أن شقيقاتها أيضًا متفوقات.
وقالت إن ابنتها قادرة على النجاح في مجالات متعددة، سواء في الطب أو الهندسة أو الرياضيات، مؤكدة أنها ستدعم اختيارها للتخصص الذي يناسب طموحها، رغم رغبتها الشخصية في أن تراها طبيبة.
رسالة إلى الطلاب
وجهت ريماز، عبر “سوريا 24”، رسالة إلى الطلاب الذين لم يحالفهم الحظ، قائلة: “لا تستسلموا… الحياة محاولة. ليس خطأ أن تعيدوا التجربة، الخطأ أن تتوقفوا”.
كما نصحت طلاب العام القادم بتنظيم الوقت، والابتعاد عن الطاقة السلبية، وتقليل استخدام الهاتف، ووضع خطط واضحة والالتزام بها.
واختصرت تجربتها برسالة واحدة: “اعملوا على أنفسكم… فالنجاح يستحق”.
قصة ريماز خلف العبدالله ليست مجرد قصة تفوق دراسي، بل حكاية طالبة سورية استطاعت تحويل التحديات إلى دافع، وإثبات أن الإصرار والعمل قادران على فتح الطريق نحو النجاح، حتى في أكثر الظروف صعوبة.
