ثلاث نساء وأحد عشر طفلًا يعيشون في منزل واحد بمدينة أعزاز في ريف حلب، بعد سنوات أمضوها في مخيم الهول، اصطدمت محاولتهم لبدء حياة جديدة بأزمة سكن، ووثائق مدنية غير مكتملة، وتعطل التعليم، وصعوبة الوصول إلى العلاج، فضلًا عن وصمة اجتماعية تلاحقهم خارج المخيم. ورغم تلك الظروف، ما يزال الحلم قائمًا بحياة ومستقبل أفضل.
في منزل مستأجر بمدينة أعزاز، شمالي محافظة حلب، تحاول حليمة، المعروفة بأم عدنان، أن تُبقي أسرتها تحت سقف واحد. معها ابنتاها، مروة وبيان، وأحد عشر طفلًا. ثلاث نساء يعشن مع أطفالهن في مساحة واحدة، منذ عودتهن من مخيم الهول في اليوم الأول من شهر رمضان الماضي.
لا يتجاوز إيجار المنزل 75 دولارًا شهريًا، لكن المبلغ البسيط نسبيًا يتحول إلى عبء كبير عندما يطلب المالك دفع أربعة أشهر مقدمًا.
بالنسبة إلى أسرة لا تملك سوى دخل محدود، يعني ذلك أن خطر الإخلاء حاضر باستمرار.
تقول حليمة لموقع سوريا 24 إن متبرعين ساعدوا الأسرة أكثر من مرة في تسديد الإيجار، إلا أن تلك المساعدات لم تكن منتظمة، وأن مالك المنزل يضغط عليهم، ويلوح بإخلائهم إذا لم يدفعوا المبلغ المطلوب دفعة واحدة.
“ننتظر من يمد لنا يد العون حتى لا نجد أنفسنا بلا مأوى”، تقول الجدة التي تحمل، بحكم الواقع، مسؤولية أسرة كبيرة خرجت من المخيم من دون موارد مستقرة.
دخل واحد لأسرة كبيرة
المصدر الوحيد للدخل هو راتب ابنتها مروة، التي تعمل مستخدمة في إحدى المدارس مقابل 150 دولارًا شهريًا.
ويذهب المبلغ، بحسب الأسرة، إلى الطعام والشراب والملابس ومستلزمات الأطفال والنفقات اليومية الأخرى.
لا تملك الأسرة مدخرات، ولا مشروعًا صغيرًا، ولا مصدر دعم ثابتًا. وما يبدو في الظاهر مشكلة إيجار فقط، يتصل في الواقع بسلسلة أوسع من العقبات: غياب الوثائق الرسمية، وتعطل الدراسة، وصعوبة العلاج، والعزلة الاجتماعية.
أوراق مؤقتة لا تكفي
بيان، المعروفة بأم عائشة، أم لأربعة أطفال، تقول إن أسرتها حصلت على بيانات قيد فردية وعائلية تُستخدم مؤقتًا بدلًا من البطاقات الشخصية ودفاتر العائلة، إلى حين إصدار الوثائق الرسمية من الجهات المعنية.
لكن هذه الأوراق لم تكن كافية لتجاوز جميع العقبات. فالهويات الشخصية ودفاتر العائلة لم تصدر بعد، وهو ما انعكس مباشرة على حياة الأطفال.
تقول بيان لموقع سوريا 24 إن أبناءها لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدرسة خلال العام الدراسي الماضي، بسبب عدم استكمال الأوراق المطلوبة.
وهي تأمل أن تتمكن من تسجيلهم هذا العام، إذا انتهت الإجراءات الإدارية في الوقت المناسب.
لا يقتصر أثر غياب الوثائق على التعليم، ففي المجال الصحي، تقول بيان إنها واجهت صعوبة في علاج أطفالها داخل المستوصفات والمشافي العامة.
وتروي قصة معاناتها بسبب غياب الأوراق: “أخذت أولادي إلى المستوصف، لكن عندما علموا أنه ليست لديهم هويات، رفضوا علاجهم، رغم أن حالتهم الصحية كانت متعبة جدًا. اضطررنا إلى الذهاب إلى طبيب خاص وتحمل تكاليف العلاج”.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الواقعة، إلا أن الشهادة تكشف حجم القلق الذي تعيشه الأسرة حين تتحول الورقة الثبوتية إلى شرط فعلي للحصول على خدمة أساسية.
بالنسبة إلى بيان، المطلوب ليس فقط تسريع إصدار الوثائق، بل إيجاد آلية مؤقتة تضمن للعائدين حقهم في التعليم والعلاج إلى حين تسوية أوضاعهم القانونية.
وصمة تلاحق العائدين
خارج المنزل، تواجه الأسرة نوعًا آخر من الضغوط. تقول بيان إن بعض أفرادها يتعرضون في الأماكن العامة، مثل الحدائق والأسواق، لعبارات تصفهم بـ”الدواعش”.
تختزل هذه الكلمة سنوات كاملة من الحياة داخل المخيم في اتهام واحد، وتضع النساء والأطفال أمام أحكام مسبقة لا تميز بين المسؤولية الفردية وبين الظروف التي دفعتهم إلى العيش في الهول.
تقول بيان: “ما عشناه هناك من ظلم وقهر وجوع لا يمكن وصفه. كل ما نريده اليوم هو أن نعيش حياة طبيعية بكرامة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة ونظرات الاتهام”.
أمّ ومعيلة وحيدة
تصدّت السيدة لمسؤولية إعانة عائلتها الكبيرة، فمروة، المعروفة بأم مصعب، أم لأربعة أطفال، تعمل مستخدمة في مدرسة، وتحاول من خلال راتبها المحدود تغطية احتياجات أطفالها ووالدتها وشقيقتها وأبناء شقيقتها.
لكن مشكلتها الأساسية لا تتعلق بالدخل وحده، فزوجها يحمل الجنسية البلجيكية، وتقول إن غياب بياناته الرسمية الكاملة، بما في ذلك اسمه ونسبه واسم والدته، حال دون استكمال إجراءات استخراج الوثائق الشخصية والعائلية لها ولأطفالها.
أدى ذلك إلى تعثر تسجيل الأطفال في المدارس، وصعوبة الاستفادة من الخدمات الصحية العامة.
تقول مروة: “كل ما أريده هو أن يتعلم أولادي، وأن يحصلوا على حقهم في التعليم والعلاج، لكننا ما زلنا نواجه صعوبات كبيرة بسبب نقص الوثائق”.
تغادر المنزل للعمل، أو لشراء الاحتياجات الأساسية، أو لاصطحاب الأطفال إلى الحديقة، أما علاقتها بالمجتمع، فتصفها بالمحدودة إلى حد بعيد.
وتقول لموقع سوريا 24 إن أقاربها لم يبادروا إلى السؤال عنها منذ عودتها، ما عمّق شعورها بالغربة والعزلة. وبالنسبة إليها، يبدو أن الخروج من المخيم لم يؤدِ تلقائيًا إلى استعادة الروابط العائلية والاجتماعية التي انقطعت خلال السنوات الماضية.
ورغم الضغوط المعيشية والنفسية، تتمسك مروة بأمل تسوية أوضاع أطفالها القانونية، وتمكينهم من الالتحاق بالمدرسة والحصول على الرعاية الصحية.
تسع سنوات من الطفولة في المخيم
في المنزل نفسه يعيش يوسف، وهو شاب يبلغ من العمر 19 عامًا، دخل مخيم الهول في سن العاشرة، وأمضى فيه نحو تسع سنوات من طفولته ومراهقته.
يحمل يوسف إصابة قديمة في قدمه، تعرض لها إثر حادث سير أدى إلى كسر في المفصل، وترك لديه إعاقة حركية أثرت على تفاصيل حياته اليومية.
كان يحلم بإكمال دراسته والوصول إلى الجامعة لدراسة الاقتصاد، لكن سنوات المخيم قطعت مساره التعليمي، ولم يتمكن من متابعة الدراسة كما كان يريد.
بعد عودته إلى أعزاز، لاحظ فرقًا في طريقة تعامل الناس معه. يقول لموقع سوريا 24 إنه كان يتعرض في المخيم للتنمر بسبب إعاقته، ويُنادى بأوصاف تجرح مشاعره، بينما وجد في المدينة من يساعده على عبور الطريق أو الحركة عندما يحتاج إلى ذلك.
عمل يوسف ثلاثة أشهر في محل لبيع الدجاج، ويتحدث بإيجابية عن صاحب العمل وزملائه.
ويقول إنهم ما زالوا يسألون عنه ويطمئنون إلى أحواله، وهو ما منحه شعورًا بالقبول والانتماء بعد سنوات من العزلة.
لكنه لم يتمكن بعد من تكوين دائرة واسعة من الأصدقاء، وما يزال يفتقد بعض من تركهم في المخيم.
ورغم انقطاعه الطويل عن الدراسة، لم يتخل عن حلمه. يقول إن أمنيته الكبرى هي الحصول على فرصة تعليمية تسمح له بدراسة الاقتصاد، وبناء مستقبل يستطيع من خلاله مساعدة أسرته وإخوته.
حلم بسيط اسمه المدرسة
رغد، البالغة من العمر 15 عامًا، تحمل بدورها ذاكرة مزدوجة عن المخيم، فهي تتذكر سنوات الحرمان، لكنها تفتقد في الوقت نفسه صديقاتها اللواتي تقاسمت معهن تلك السنوات.
تقول لموقع سوريا 24 إنها كانت تملك في الهول دائرة واسعة من الصديقات، وإن علاقتهن كانت قائمة على السؤال والمساندة.
بعد العودة، لم تتمكن من تكوين صداقات جديدة، ونادرًا ما تغادر المنزل أو تشارك في أنشطة اجتماعية.
أما حلمها، فيبدأ من المدرسة.
تقول: “أحلم أن أكمل دراستي، وأصبح معلمة أُعلّم الأطفال، لأننا حُرمنا من التعليم ومن كثير من حقوقنا ونحن في الهول”.
تضيف أن لديها أحلامًا كثيرة، لكن الظروف الحالية تعطلها، فغياب الوثائق، والوضع المالي الضعيف، والعزلة الاجتماعية، كلها تجعل العودة إلى مقاعد الدراسة أكثر صعوبة مما تبدو عليه.
وبحسب الأسرة، عرضت وحدة دعم الاستقرار مساعدتها في إطلاق مشروع صغير يوفر مصدر دخل.
لكن أفراد الأسرة أبلغوا القائمين على البرنامج بأنهم لا يملكون الخبرة اللازمة لإدارة مشروع في الوقت الحالي، وأنهم يحتاجون إلى تدريب وتوجيه قبل الحصول على الدعم.
عودة ناقصة وأحلام مؤجلة
في منزل حليمة بمدينة أعزاز، تتشابك المشكلات بحيث يصعب فصل إحداها عن الأخرى. غياب الوثائق يمنع الأطفال من المدرسة ويعقد الوصول إلى العلاج. وضعف الدخل يهدد السكن، والعزلة الاجتماعية تقلل فرص الدعم والعمل والاندماج.
بالنسبة إلى هذه الأسرة، لم تكن العودة من مخيم الهول عبورًا نهائيًا إلى حياة جديدة. لقد خرجوا من المخيم جغرافيًا، لكن آثاره ما تزال حاضرة في أوراقهم، وتعليم أطفالهم، وعلاقاتهم بالمجتمع، وفي نظرة الآخرين إليهم.
تطلب حليمة منزلًا آمنًا لا يهدده الإخلاء، وتريد بيان علاج أطفالها من دون عوائق، وتسعى مروة إلى أوراق تثبت وجود أسرتها أمام المؤسسات.
فيما ما تزال أحلام يوسف كبيرة، فهو يحلم بالتخرج في كلية الاقتصاد، فيما تترقب رغد الأطفال العائدين من المدرسة بنظرة الساعي إلى حلم أوقفته الأوراق الثبوتية، ولو مؤقتًا.