بعد سنوات من الانقطاع عن التعليم، بينها نحو عامين قضتهما في مخيم الهول، تمكنت إحدى العائدات إلى بلدة الباغوز بريف دير الزور من اجتياز امتحانات شهادة الثانوية العامة، في خطوة اختصرت، بالنسبة إليها، رحلة طويلة من الخوف ومحاولات استعادة الحياة الطبيعية.
لم تكن العودة من المخيم نهاية التحديات، فبعد خروجها وجدت نفسها أمام واقع مختلف، ترافقه مخاوف مرتبطة بما عاشته خلال السنوات السابقة، إلى جانب صعوبة الاندماج مجددًا في المجتمع واستعادة روتين الحياة والتعليم.
وخلال مرحلة ما بعد العودة، شاركت الطالبة سحر، وهو اسم ترميزي، في جلسات للدعم النفسي قدمتها جهات ومنظمات محلية، تقول إنها ساعدتها على التعامل مع القلق والخوف، وعلى استعادة جزء من ثقتها بنفسها وقدرتها على التفكير في المستقبل من جديد.
لم تعد الطالبة إلى مقاعد الدراسة النظامية، لكنها قررت التقدم إلى امتحانات شهادة الثانوية العامة بصفة “دراسة حرة”، وبدأت التحضير للامتحانات بعد انقطاع طويل عن الكتب والمناهج الدراسية.
وأدت امتحاناتها في مدرسة الشهداء بمدينة البوكمال بريف دير الزور، في تجربة تصفها بأنها لم تكن مجرد اختبار دراسي، بل مواجهة مع مخاوف رافقتها منذ عودتها.
وتقول: “لم أكن أتوقع أن أعود يومًا إلى قاعة الامتحان، لكنني كنت أريد الحصول على شهادتي وإثبات أنني قادرة على البدء من جديد”.
واحتاجت العودة إلى الدراسة إلى إعادة تنظيم يومها واسترجاع ما فقدته خلال سنوات الانقطاع، إلى جانب التعامل مع ضغط الامتحانات بعد فترة طويلة بعيدًا عن البيئة التعليمية.
ومع إعلان النتائج، تمكنت من اجتياز امتحانات البكالوريا في الفرع الأدبي، لتتحول الشهادة، بالنسبة إليها، إلى أكثر من إنجاز دراسي؛ إذ باتت تمثل خطوة في مسار استعادة حياتها ومحاولة بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
وتؤكد تجربة سحر أن الإرادة يمكن أن تتغلب على التحديات التي تواجه العائدين من مخيم الهول بعد مغادرته. فإغلاق صفحة المخيم لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها، إذ تبدأ بعد العودة مرحلة جديدة تتعلق بالاندماج الاجتماعي، واستكمال التعليم، واستعادة الأوراق والفرص والخدمات، إضافة إلى التعامل مع الآثار النفسية التي خلّفتها سنوات النزوح والإقامة في المخيم.
وبالنسبة إلى هذه الطالبة، كانت العودة إلى التعليم أولى الخطوات الملموسة للخروج من دائرة الانقطاع، وهي تنظر اليوم إلى شهادة البكالوريا باعتبارها بداية، لا نهاية، لطريق تأمل أن يقودها إلى مواصلة الدراسة وبناء مستقبل مختلف عن السنوات التي عاشتها سابقًا.
وتتطلع سحر إلى إعلان نتائج المفاضلة العامة لتحجز مقعدها الأكاديمي، لتعوض ما حرمتها منه الحرب، وتختم حديثها بالقول: “آمل أن يخبئ لي المستقبل الأفضل”.