حين نطق القاضي بالحكم على عاطف نجيب، لم يكن الأمر بالنسبة إلى ذوي الضحايا والشهود مجرد نهاية جلسة قضائية. ففي درعا، حيث بدأت عام 2011 أحداث شكّلت منعطفاً حاسماً في تاريخ سوريا، أعاد الحكم إلى الواجهة أسماء ضحايا وذكريات اعتقال وتعذيب وإطلاق نار يقول أصحابها إنهم عايشوها بأنفسهم.
وبالنسبة إلى عدد من الذين تحدثوا لـ«سوريا 24»، امتزج الشعور بالارتياح مع ألم الفقد. فالحكم منحهم إحساساً بأن باب المساءلة قد فُتح، لكنه لم يبدد سنوات الانتظار ولم يُعد من فقدوهم.
حكم لا يعيد الغائبين
كان شقيق أحمد أبو نبوت من بين الذين انتظروا صدور الحكم. وقال إن عائلته شعرت «بسعادة كبيرة» بعد سماعه، لكنها بقيت، بحسب وصفه، سعادة ممزوجة بالألم.
ويروي أن شقيقه أحمد كان من بين الذين توجهوا إلى محيط الجامع العمري بعد حصاره واقتحامه في عام 2011، قبل أن يُصاب بطلق ناري ويُنقل بسيارة إسعاف باتجاه مشفى درعا الوطني.
وبحسب روايته، أُوقفت سيارة الإسعاف عند حاجز تابع للأمن السياسي قرب دوار الكرك، حيث قال إن عاطف نجيب كان موجوداً، وإن السيارة تعرضت لإطلاق نار قبل توقيف سائقها عباس محاميد.
وأضاف أن أحمد كان برفقة جريح آخر يُدعى محمد أبو العيون، وأنهما أُنزلا من سيارة الإسعاف واستُجوبا وهما ينزفان، قبل أن يبقيا على الأرض لفترة خلال ساعات الليل.
وقال إن الجريحين نُقلا لاحقاً إلى مشفى درعا الوطني بعدما تدهورت حالتهما نتيجة النزف وانخفاض ضغط الدم والتعرض للبرد، لكن محاولات إنقاذهما لم تنجح وتوفيا لاحقاً.
ويرى شقيق أبو نبوت أن الحكم «لن يعيد لنا الشباب والإخوة الذين فقدناهم»، لكنه يمنح العائلات، وفق تعبيره، قدراً من الإنصاف النفسي ويعزز شعورها بأن ما جرى لم يُطوَ من دون مساءلة.
دعوى بدأت بعد سقوط النظام
وقال أبو نبوت إن عائلته بدأت التحرك قضائياً بعد سقوط النظام، ورفعت دعوى ضد عاطف نجيب استناداً إلى ما تعتبره مسؤوليته المباشرة عن أحداث الجامع العمري ووقائع أخرى شهدتها درعا.
وأضاف أن أفراد العائلة تابعوا جلسات المحاكمة منذ بدايتها، وقدموا ما طُلب منهم من وثائق وشهادات وصور ومقاطع فيديو، بالتعاون مع فريق الادعاء، ومن بينهم المحاميتان نهى المصري ومرام أبازيد.
وبالنسبة إليه، جاء الحكم بعد مسار طويل شاركت فيه عائلات الضحايا عبر تقديم الأدلة والشهود ومتابعة جلسات المحاكمة.
وأشار أيضاً إلى توجه لرفع مذكرة عبر مجلس الشعب لمخاطبة وزارتي الخارجية والعدل بشأن مطالبة روسيا بتسليم بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما من المطلوبين الموجودين على أراضيها، تمهيداً لمحاكمتهم في سوريا، وفق قوله.
ليلة بلا نوم قبل الحكم
يدن الدراجي، أحد الشهود في القضية، قال لموقع «سوريا 24» إنه أمضى الساعات التي سبقت صدور الحكم في حالة من الترقب، إلى حد أنه لم يتمكن من النوم.
وأوضح أن انتظاره لم يكن مدفوعاً بالرغبة في الانتقام، بل برغبته في رؤية بداية لمسار يحقق، بحسب تعبيره، «إحقاق الحق» والعدالة في سوريا.
وأضاف أنه شعر بسعادة خاصة عندما شاهد أهالي ضحايا، بينهم أصدقاء ومقربون منه، يعبرون عن فرحتهم بالحكم، معتبراً أن تلك اللحظة منحتهم شعوراً بأن حقوق من فقدوهم لم تُنسَ.
وقال الدراجي إن شهادته أمام المحكمة ركزت على دحض ما وصفه بادعاءات تتعلق بعدم اعتقال مدنيين داخل فرع الأمن السياسي، مؤكداً أنه كان شخصياً معتقلاً، وأن أشخاصاً آخرين كانوا معه، من بينهم المهندس الراحل معن العودات.
وأضاف أنه شاهد خلال اعتقاله حالات تعذيب، بينها اعتداء مجموعة من العناصر بالضرب على أحد المعتقلين، وقال إن شهادته هدفت إلى إثبات أن الفرع كان ينفذ اعتقالات وأعمال تعذيب تحت إمرة نجيب، وفق روايته.
ويرى الدراجي أن نفوذ نجيب في حوران آنذاك لم يكن مقتصراً على منصبه رئيساً لفرع الأمن السياسي، بل امتد، بحسب وصفه، إلى نطاق أوسع داخل المنظومة الأمنية في المنطقة.
كما قال إنه عايش عدداً من الأحداث التي شهدتها درعا في الأيام الأولى للاحتجاجات، بينها إطلاق النار خلال تشييع الضحايا واقتحام الجامع العمري.
وبالنسبة إلى الدراجي، لا ينبغي أن يمثل الحكم نهاية للمسار، بل بدايته، مشيراً إلى ضرورة الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين وتعويض الضحايا وبناء مؤسسات تضمن عدم تكرار الانتهاكات.
«دموع فرح» بعد سنوات طويلة
الضابط المتقاعد عاكف المحاميد، شقيق أربعة شهداء، من بينهم الطبيب علي عصاب المحاميد، الذي قال إنه قُتل أثناء مشاركته في إسعاف جرحى أحداث الجامع العمري، ينظر إلى الحكم من زاوية شخصية وقانونية في آن واحد.
وقال المحاميد لموقع «سوريا 24» إن الحكم على عاطف نجيب يمثل، بالنسبة إليه، إحدى أولى الخطوات العملية في مسار العدالة الانتقالية، ويمنح شعوراً بالإنصاف لذوي الضحايا والأرامل والمعتقلين والمهجرين.
وأضاف أن نجيب، بحكم موقعه وقربه من رأس النظام السابق، كان يتمتع بنفوذ واسع في درعا، وقال إنه تدخل في شؤون السكان ومارس ضغوطاً عليهم خلال فترة عمله في المحافظة، كان آخرها قبل اندلاع الثورة عبر احتجاز عدد من الآليات وابتزاز الأهالي لتركها.
وتحدث المحاميد عن الأحداث التي سبقت اندلاع الاحتجاجات في درعا، قائلاً إن اعتقال الأطفال بعد كتابتهم عبارات مناهضة للنظام على الجدران، وما قال إنها أعمال تعذيب تعرضوا لها، إلى جانب رفض مطالب الأهالي بالإفراج عنهم، كانت من العوامل التي سبقت خروج الاحتجاجات.
كما استعاد أحداث الجامع العمري في 23 آذار/مارس 2011، متحدثاً عن شقيقه الطبيب علي عصاب المحاميد، اختصاصي أمراض القلب، الذي قال إنه كان ضمن الطواقم الطبية التي توجهت لإسعاف الجرحى قبل أن يُقتل أثناء نقل مصابين من الجامع العمري باتجاه مشفى درعا الوطني.
وقال المحاميد إن القوات الأمنية أطلقت النار على سيارة الإسعاف أثناء وجود عاطف نجيب في الموقع بين درعا المدينة ودرعا البلد، مضيفاً أن نجيب كان، بحسب شهادته، مسؤولاً عن إصدار الأوامر.
ويتحدث المحاميد عن العدالة أيضاً من موقع شخصي، إذ قال إن أربعة من إخوته قُتلوا خلال سنوات النزاع، بينهم طبيب قال إنه توفي تحت التعذيب، وآخر مهندس، إضافة إلى مقاتل قُتل أثناء المعارك.
وأضاف أن مشاهد الفرح التي شهدتها درعا بعد صدور الحكم أعادت للناس، برأيه، شيئاً من ثقتهم بالقانون، قائلاً إن «دموع الفرح» حضرت هذه المرة بدلاً من دموع الفقد.
ويرى المحاميد أن نجاح مسار العدالة الانتقالية يحتاج إلى إرادة شعبية ودعم من مؤسسات الدولة، إضافة إلى تعاون دولي، مطالباً الدول التي يوجد على أراضيها أشخاص مطلوبون للقضاء السوري بتسليمهم لمحاكمتهم.
ملف من الشهادات والوثائق
ومن داخل فريق الادعاء، قالت المحامية نهى المصري إن الحكم جاء «ملبياً لآمالنا وتطلعاتنا كمتضررين وأهالٍ وذوي شهداء»، معتبرة أنه يتناسب مع «حجم التضحيات والدماء التي أُريقت ثمناً للوصول إلى هذا اليوم».
وأضافت أن الحكم يمثل «خطوة مهمة وحقيقية في مسار العدالة الانتقالية»، إلى جانب كونه، من وجهة نظرها، رسالة بأن الإفلات من العقاب لا ينبغي أن يستمر.
وعن ملف الدعوى، قالت المصري إن فريق الادعاء قدم مجموعة من الأدلة شملت شهادات لأشخاص عايشوا الأحداث، إلى جانب أدلة مادية ووثائق مكتوبة ونصوص برقيات وضبوط شرطة وتقارير أطباء شرعيين.
وأضافت أن المحكمة اطلعت على الثبوتيات المقدمة، معربة عن أملها في أن يُصدَّق الحكم أمام محكمة النقض في حال الطعن فيه.
وترى المصري أن الحكم لا يمثل نهاية للقضية، بل «بداية حقيقية للعدالة والمساءلة وإنصاف جميع الضحايا».
عدالة تبدأ من المحكمة ولا تنتهي عندها
وعلى اختلاف مواقعهم بين ذوي ضحايا وشاهد وضابط متقاعد ومحامية في فريق الادعاء، يتفق المتحدثون على أن الحكم لا يمثل بالنسبة إليهم نهاية المسار.
فأبو نبوت يتحدث عن استمرار ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، بينما يضع الدراجي في مقدمة الأولويات الكشف عن مصير المفقودين والمغيبين وتعويض الضحايا وبناء مؤسسات تمنع تكرار ما حدث، في حين يربط المحاميد نجاح العدالة الانتقالية بإرادة الدولة والتعاون الدولي.
أما المصري، فترى أن الملف القضائي وما تضمنه من شهادات ووثائق وأدلة يمكن أن يشكل أساساً لمسار أوسع للمساءلة.
وبين عائلات فقدت أبناءها، وشهود عادوا أمام المحكمة إلى تفاصيل الاعتقال والعنف، ومحامين جمعوا الوثائق والأدلة، يبدو الحكم على عاطف نجيب بالنسبة إلى هؤلاء محطة أولى في مسار لم تُكتب نهايته بعد.
وفي درعا، حيث بدأت أحداث غيّرت مسار البلاد، أعاد الحكم إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً طوال سنوات: كيف يمكن تحويل ذاكرة العنف والفقد إلى مسار قضائي يضمن حق الضحايا في الحقيقة والمساءلة، ويمنع تكرار الانتهاكات؟