ينطلق كتاب “خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير” للصحفي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف من سؤال يتعلق بكيفية انتقال الإعلام السوري من دوره التقليدي في نقل الوقائع إلى دور أكثر فاعلية في مسار التعافي الوطني، عبر المساهمة في تهيئة شروط المصالحة ومواكبة التحولات المهنية والمجتمعية في مرحلة ما بعد النزاع.
ويبحث الكتاب، الصادر حديثاً عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، في السبل التي يمكن من خلالها تحويل المعرفة المتراكمة حول إعلام المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى مسارات عمل قابلة للتطبيق في السياق السوري.
ويبدأ النايف بتوصيف البنية الإعلامية التي تشكّلت خلال خمسة عقود ونصف من حكم الديكتاتورية البائدة، متوقفاً عند تحوّل المؤسسات الإعلامية إلى أدوات للتعبئة وصناعة “الحقائق البديلة”، ضمن منظومة تشريعية وقانونية كرّست هيمنة حزب البعث.
ويرى المؤلف أن قراءة هذا الإرث تمثل شرطاً لفهم أي محاولة لاحقة لإصلاح الإعلام، باعتبار أن تفكيك الوظيفة التي أدتها المؤسسات الإعلامية في المرحلة السابقة يشكل نقطة انطلاق لإعادة تعريف دورها في المرحلة الجديدة.
يقول النايف لموقع سوريا 24: “كتبتُ هذه الدراسة بحثاً عن استجابة إعلامية جديدة، تنطلق من فهم البيئة التي سيعمل فيها الإعلام السوري ومتطلباتها”، مضيفاً أن السؤال الذي رافقه منذ البداية كان: “ماذا نفعل بالمعرفة التي راكمناها حول إعلام عمل داخل منظومة الاستبداد، وبما نعرفه عن مسارات الإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات؟ وكيف يمكن تحويل هذه المعرفة إلى خيارات عملية تساعد الإعلام السوري على الانتقال من وظيفة ارتبطت بتأكيد مكانة الديكتاتورية، إلى وظيفة تشارك في التعافي الوطني؟”.
وأوضح النايف أن الكتاب بُني على مسار ينتقل من قراءة الإرث الإعلامي إلى التفكير في مستقبل المؤسسات الإعلامية، قائلاً: “من هنا، حاولت أن أبني في الكتاب مساراً ينتقل من فهم الإرث إلى التفكير في المستقبل، فبعد تشريح البنية التي تشكّلت داخلها المؤسسات الإعلامية السورية (الحكومية)، انتقلت إلى اللغة وصناعة المعنى، ثم إلى موقع الإعلام داخل بيئته السياسية والاجتماعية والقانونية، وصولاً إلى البحث في الوظائف التي يمكن أن يؤديها خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها”.
ويتعامل النايف مع الكتاب، بحسب قوله، بوصفه إطاراً يجمع بين البحث والتخطيط ووضع مسارات للعمل، مضيفاً: “لهذا أتعامل مع الكتاب بوصفه بحثاً ومخططاً وخريطة عمل في الوقت نفسه”.
وقال إن “البحث يوفّر المعرفة اللازمة لفهم المشكلة، والمخطط يحوّل هذه المعرفة إلى خيارات وتدخلات، أما الخريطة فتحدد المسار الذي يمكن أن تسلكه المؤسسات الإعلامية وهي تعيد تعريف أدوارها في سياق ما بعد النزاع”.
ولا يقتصر طرح النايف على الدعوة إلى تبني خطاب عام حول المصالحة أو بناء الثقة، بل يركز على كيفية ترجمة هذه الأهداف إلى ممارسة إعلامية قابلة للتنفيذ والقياس.
وقال: “لم يكن هدفي أن أقول إن الإعلام ينبغي أن يدعم المصالحة أو يبني الثقة فقط؛ فهذه عناوين واسعة، بل كان السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إليّ: كيف يمكن تحويل هذه الأهداف إلى عمل إعلامي؟ برامج ونصوص وصور وحوارات وغيرها مما تنتجه مؤسسات الإعلام. ما الذي ينبغي تغييره في السياسات التحريرية؟ وما التدخلات التي يمكن تصميمها؟ وما النتائج التي ننتظرها؟ وكيف نعرف أن المحتوى الذي ننتجه أحدث أثراً في الجمهور وفي العلاقات داخل المجتمع؟”.
وفي الجزء الأخير من الكتاب، ينتقل النايف إلى نظريات التغيير بوصفها أداة لربط المعرفة بالممارسة، من خلال تحديد الأهداف التي تسعى المؤسسات الإعلامية إلى تحقيقها، وطبيعة التدخلات اللازمة، والنتائج المتوقعة، وآليات قياس الأثر.
وقال: “فالغاية منها بناء استجابة إعلامية تُحدّد بدقة ما تريد تغييره، وكيف ستتدخل لتحقيقه، وكيف ستقيس نتائج هذا التدخل”.
وأضاف: “وهذا، في تقديري، هو الطريق الذي يمكن أن ينقل الإعلام السوري من الحديث عن دوره في مرحلة ما بعد النزاع إلى ممارسة هذا الدور فعلياً”.
ويقترح النايف في هذا الإطار مبادرة تستهدف تعزيز خطاب المصالحة بنسبة 50 في المئة في الإعلام الحكومي السوري خلال عامي 2026 و2027.
وقال: “وخدمة لهذا الغرض، اقترحت صياغة مبادرة محدّدة تستهدف تعزيز خطاب المصالحة بنسبة 50 في المئة في الإعلام الحكومي السوري خلال عامي 2026 و2027”.
وأضاف أن هذه النسبة لا تستند إلى تقدير إنشائي، قائلاً: “لا تأتي النسبة بوصفها تقديراً إنشائياً؛ فهي نتيجة لمسار يبدأ بتحديد المشكلة، ويمر بتصميم التدخل ومخرجاته ونتائجه، وينتهي إلى مؤشرات يمكن استخدامها لقياس الأثر الفعلي للخطاب الإعلامي في اتجاهات الجمهور وسلوكه”.
ويقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول.
مرشد النايف صحفي وباحث إعلامي سوري، تخرّج في قسم الصحافة بجامعة دمشق عام 1991، وعمل مشرفاً على صفحة الاقتصاد العربي والدولي في صحيفة “الثورة” السورية، قبل أن يتولى مواقع تحريرية ومهنية عدة، من بينها مدير تحرير صحيفة “جيرون”، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين.
تتركز اهتماماته البحثية في تحليل الخطاب وإعلام المجتمعات الخارجة من النزاعات.