“نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن نعرف أين أبناؤنا، وأين دُفنوا”، بهذه الكلمات يختصر أبو شهاب اثني عشر عاماً من الانتظار.
أربعة من أبنائه فُقدوا خلال هجوم تنظيم “داعش” على بلدات الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي عام 2014، ومنذ ذلك الوقت لم تصل العائلة إلى جثمان، ولا إلى قبر، ولا حتى إلى رواية نهائية تضع حداً للأسئلة.
بالنسبة إلى أبو شهاب، لم يخفف مرور السنوات من وطأة الغياب، فعلى العكس، بقي الفقد معلقاً بين احتمالين قاسيين: موت بلا قبر، أو اختفاء بلا جواب.
يقول لموقع سوريا 24 إن أبناءه كانوا مدنيين، وإنهم فُقدوا أثناء نزوح العائلة باتجاه هجين والشعفة والسوسة، هرباً من الحملة التي شنها التنظيم على المنطقة.
ويتابع: “أبنائي الأربعة قُتلوا على يد تنظيم داعش الإرهابي، ولا نعلم حتى الآن مصيرهم، فقدناهم أثناء لجوئنا إلى البلدات المجاورة.. ما ذنبهم؟”.
يضع أبو شهاب يده على خده، وعيناه تغمرهما دموع الحنين، وذاكرة مثقلة بالأوجاع: “لم نودعهم.. ولا أعرف أين انتهى بهم الحال.. هل قتلوا.. أين دفنوا؟ لا أدري”.
وهذه ليست قصة عائلة واحدة في بلدات الكشكية وأبو حمام والغرانيج، فبعد أكثر من عقد على واحدة من أكثر الوقائع دموية في ريف دير الزور الشرقي، ما تزال عائلات كثيرة من أبناء الشعيطات تبحث عن أقارب فقدوا خلال عمليات القتل والاعتقال والنزوح التي رافقت سيطرة التنظيم على المنطقة.
مجزرة انتهت عسكرياً وبقيت آثارها
وقعت مجزرة الشعيطات عام 2014، بعد مواجهات بين تنظيم “داعش” وأبناء المنطقة. ومع إحكام التنظيم سيطرته على البلدات، تلت ذلك عمليات قتل وإعدام واعتقال وتهجير واسعة طالت السكان.
وخلال تلك الفترة، قُتل عدد كبير من المدنيين، فيما اختفى آخرون بعد اعتقالهم أو خلال محاولات الفرار. وفي المقابل، اضطرت عائلات كاملة إلى مغادرة منازلها باتجاه بلدات مجاورة، بحثاً عن الأمان.
لكن انحسار سيطرة التنظيم لم ينهِ آثار تلك المرحلة، فحتى اليوم، ما تزال أعداد الضحايا والمفقودين غير محسومة بالنسبة إلى عدد من الأسر، في ظل غياب توثيق شامل لمصير كل من اختفى، وعدم الكشف عن جميع أماكن الدفن أو المقابر الجماعية.
وبينما عرفت بعض العائلات أين دُفن أبناؤها، بقيت عائلات أخرى عالقة عند اللحظة الأخيرة التي رأتهم فيها.
إحدى الأمهات، التي فقدت أبناءها الأربعة، ما تزال تستعيد يوم النزوح كما لو أنه لم يبتعد كثيراً.
“كلهم راحوا، قال لي أحدهم: اركبي السيارة، سنلحق بكم.. رحلوا ولم يعودوا.. خرجنا من بيوتنا يوم الخميس، ذلك اليوم الذي لن أنساه أبداً. شعور الفقد لا يُحتمل؛ كأن القلب يُقتل آلاف المرات، وكأن النار تشتعل في صدورنا”.
في شهادتها، يتحول يوم الخميس من مجرد تاريخ إلى حد فاصل بين حياتين: ما قبل الخروج من المنزل، وما بعده.
غياب بلا يقين
ومن بين العائلات التي ما تزال تنتظر خبراً، نصرة العبد الغني، خرج زوجها من المنزل ليتفقد ما يجري، ثم لم يعد.
تقول نصرة لموقع سوريا 24 إنها لم تعرف منذ ذلك اليوم إن كان زوجها قد قُتل أو اعتُقل أو اختفى أثناء محاولته الوصول إلى مكان أكثر أمناً. وبعد أيام قليلة، اضطرت هي الأخرى إلى النزوح، وكانت حاملاً.
“قال إنه سيخرج ليرى ما يحدث، فخرج ولم يعد. لا نعرف عنه شيئاً حتى اليوم. وبعد يومين أو ثلاثة خرجنا نحن أيضاً. كنت حاملاً، ولا أدري كيف استطعت أن أنجب وسط هذا الألم”.
ومع مرور الأعوام، لم تمنحها السنوات إجابة بقدر ما عمّقت حالة الانتظار. فلا وفاة مؤكدة تستطيع الأسرة أن تبدأ معها حداداً نهائياً، ولا معلومة موثوقة تترك لها أملاً حقيقياً بالعودة.
وهكذا، لم يعد الغياب مجرد حدث وقع في الماضي، بل صار جزءاً من الحياة اليومية للعائلات، يتكرر في الأسئلة وفي الصور وفي كل مناسبة عائلية ناقصة.
أطفال كبروا داخل الحكاية
امتدت آثار المجزرة أيضاً إلى أطفال لم يكونوا في عمر يسمح لهم بفهم ما جرى، فالطفلة فاطمة العبد القاسم، البالغة من العمر 11 عاماً، كانت في شهرها السادس عندما اختفى والدها، لم تعرفه إلا من خلال الصور التي تحتفظ بها الأسرة.
تقول لموقع سوريا 24: “كان عمري ستة أشهر فقط عندما غادر أبي ولم يعد، لا أعرفه إلا من الصور. لا أتذكر وجهه، ولم أسمع صوته، ولم أشعر بحضنه. أبكي كلما رأيت صورته”.
في قصتها يظهر وجه آخر للمأساة، فهؤلاء الأطفال لم يشهدوا معظم أحداث عام 2014، لكنهم كبروا تحت ظلها، يعرفون آباءهم من الصور، ويسمعون أسماءهم في أحاديث الكبار، ويحاولون أن يصنعوا ذاكرة لشخص لم تتوفر لهم فرصة معرفته.
وبذلك، لا تعود قضية المفقودين مجرد ملف يرتبط بما جرى قبل اثني عشر عاماً، بل تصبح جزءاً من حاضر جيل كامل نشأ وهو يحمل أسئلة لم يطرحها بنفسه، لكنه ورثها عن عائلته.
البحث عن المقابر بحث عن نهاية
أمام هذا الغياب الطويل، تطالب عائلات الضحايا والمفقودين بالكشف عن مواقع المقابر الجماعية، وفتح ملفات الاختفاء، وتوثيق أسماء من قُتلوا أو فُقدوا خلال هجوم التنظيم.
كما تطالب بإجراء فحوص الحمض النووي على الرفات التي يُعثر عليها، ومقارنتها بعينات من ذوي المفقودين، قبل تسليمها إلى عائلاتها، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وبالنسبة إلى هذه العائلات، لا يتعلق الأمر فقط بمساءلة من ارتكبوا الجرائم، بل أيضاً بحق أكثر بساطة وعمقاً: معرفة أين انتهت حياة أحبائهم، وامتلاك مكان يمكنهم زيارته.
فالقبر، بالنسبة إلى كثير من ذوي المفقودين، ليس مجرد شاهد حجري، بل نهاية لانتظار طويل وبداية لحزن يمكن أخيراً أن يأخذ شكله الطبيعي.
ومع مرور اثني عشر عاماً، ما تزال صور المفقودين معلقة في البيوت، وما تزال أسماؤهم حاضرة في أحاديث العائلات، فيما تبدأ معظم القصص من اللحظة ذاتها: آخر مرة شوهد فيها الابن أو الزوج أو الأب قبل أن يختفي.
أما أبو شهاب، فيعود في نهاية الحديث إلى أبنائه الأربعة وإلى السؤال الذي لم تستطع السنوات أن تطفئه، قائلاً: “مرّت سنوات، لكن الألم لم ينتهِ.. لا نملك قبوراً نزورها ولا إجابة نطمئن بها قلوبنا.. نريد أن نعرف الحقيقة… نريد فقط أن نعرف أين أبناؤنا”.
