بعد سنوات طويلة غابت خلالها الكهرباء عن تفاصيل الحياة اليومية، بدأت مدينة عندان ومدينة حريتان في ريف حلب الشمالي استعادة التيار الكهربائي، في خطوة يُعوّل عليها السكان لتحسين الخدمات الأساسية، وتخفيف أعباء الطاقة، ودعم عودة الأهالي وتنشيط الحركة الاقتصادية في المنطقة.
في مدينة عندان، انعكست عودة الكهرباء مباشرة على الأعمال اليومية للسكان، ومن بينها محل حمادة غزال لبيع البوظة والقوالب المجمّدة، إذ أسهم تركيب عداد الكهرباء في تخفيف كلفة تشغيل المحل، بعد سنوات من الاعتماد على مصادر بديلة مرتفعة التكلفة.
يقول غزال إن الطاقة الشمسية لم تكن كافية لتأمين احتياجات المحل طوال اليوم، ولا سيما لتشغيل البرادات وماكينات البوظة والسلاش، إذ يتوقف إنتاجها مع غياب الشمس، ما كان يضطره إلى تشغيل مولدة كهربائية بتكلفة تصل إلى نحو عشرة دولارات يومياً.
وبعد تركيب العداد، انخفضت كلفة التشغيل، وبات استهلاك المحل يتراوح بين 10 و20 كيلوواط يومياً، مع إمكانية تشغيل المعدات والبرادات لساعات أطول، من دون الحاجة إلى الاعتماد المستمر على المولدة.
ولا يقتصر أثر عودة الكهرباء على المحال التجارية، إذ يأمل سكان عندان أن تنعكس على مختلف جوانب الحياة، بدءاً من ضخ المياه ووصولاً إلى الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن دعم النشاط التجاري والصناعي.
رئيس مجلس مدينة عندان، المهندس خالد جنيد، وصف عودة التيار الكهربائي، بعد انقطاع تجاوز 15 عاماً، بأنها خطوة استقبلها الأهالي بفرح وامتنان، معتبراً أنها تشكل عاملاً أساسياً في استقرار المدينة وتشجيع سكانها على العودة.

وأوضح جنيد، في حديثه لسوريا 24، أن نحو 28% من سكان عندان عادوا إلى المدينة حتى الآن، متوقعاً ارتفاع هذه النسبة مع تحسن الخدمات الأساسية، وصولاً إلى عودة غالبية السكان.
وقال إن توفر الكهرباء سيساعد على تشغيل شبكات المياه، ودعم قطاعي الصحة والتعليم، وتحريك النشاط التجاري والصناعي، مؤكداً أن «الكهرباء هي حياة»، وأن عودتها ستسهم في إعادة تنشيط مختلف جوانب الحياة في المدينة.
وأشار إلى أن مجلس المدينة يقدم التسهيلات اللازمة للأهالي الراغبين في تركيب عدادات كهربائية، معرباً عن شكره للجهات المنفذة والعاملين على إعادة الخدمة إلى المنطقة.
من جهتها، تعمل الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية على استكمال تجهيز البنية التحتية وتركيب العدادات في المنطقة. ويوضح مديرها الإداري والقانوني، مصطفى حنورة، أن إيصال الكهرباء إلى عندان وحريتان جاء استجابة لحاجة السكان العائدين، في ظل حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمنازل نتيجة القصف خلال السنوات الماضية.
ويشير حنورة إلى أن إيصال التيار إلى المنطقة شكّل تحدياً كبيراً، بسبب الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات الكهرباء ومراكز التحويل، موضحاً أن العمل بدأ بتجهيز الشبكات ومراكز الخدمة، بما يشمل شبكات التوتر المنخفض والمتوسط والعالي.
وبحسب حنورة، يجري حالياً تركيب العدادات في مدينة عندان، بالتوازي مع استكمال تجهيز مراكز الخدمة في حريتان، تمهيداً للبدء بتركيب العدادات للمشتركين فيها خلال الأيام المقبلة.
ويؤكد أن أهمية المشروع لا ترتبط بالخدمة المنزلية فقط، إذ تضم عندان وحريتان وكفر حمرة عدداً كبيراً من المنشآت التجارية والاقتصادية والحيوية، إلى جانب المعامل والمهن المختلفة، ما يجعل وصول الكهرباء عاملاً مهماً في إعادة تشغيل المنشآت، وتحريك عجلة الإنتاج، وتوفير فرص العمل.
وكان إيصال التوتر العالي من أبرز التحديات التي واجهت المشروع، إلى جانب الأضرار التي استمرت أعمال معالجتها حتى أيار/مايو 2026. وعند بدء تجهيز مراكز الخدمة، كانت أجزاء واسعة من البنية التحتية مدمرة، فيما غابت مراكز التحويل الجاهزة، ما استدعى إنشاء مراكز جديدة وإعادة تأهيل الشبكات.
كما واجهت الفرق العاملة نقصاً كبيراً في الأعمدة نتيجة تدميرها أو إتلافها، إلى جانب غياب أجزاء واسعة من الشبكات وتراكم الأنقاض في المناطق المستهدفة، الأمر الذي صعّب الوصول إلى المشتركين وإعادة الخدمة.
وبعد استكمال العمل في عندان وحريتان، تعتزم الشركة تقسيم ورشاتها إلى مسارين؛ يتجه الأول إلى مدينة كفر حمرة لاستكمال تجهيز بنيتها التحتية ومراكزها وشبكاتها، فيما يتوجه الثاني إلى بلدات بيانون ورتيان وحيان وماير للعمل على إيصال الخدمة إليها.
وبعودة الكهرباء، لا يستعيد سكان عندان وحريتان مجرد خدمة أساسية غابت لسنوات، بل يفتحون الباب أمام عودة تدريجية للحياة اليومية، وإعادة تشغيل المصالح والمنشآت، وتعزيز فرص عودة السكان إلى مدن أنهكتها سنوات الحرب والدمار.