سوريا تبدأ مسحاً للبطالة يشمل 38 ألف أسرة وسط تفاوت كبير في التقديرات الدولية

حجم الخط

بدأت سوريا تنفيذ مسح وطني للقوى العاملة يشمل 37 ألفاً و800 أسرة في مختلف المحافظات، بهدف تحديث بيانات البطالة والتشغيل بعد سنوات من توقف المسوح المنتظمة، في وقت تتفاوت فيه التقديرات المحلية والدولية لمعدلات البطالة بين نحو 14 بالمئة وأكثر من 50 بالمئة، وفق مصادر ومنهجيات إحصائية مختلفة.

وقالت هيئة التخطيط والإحصاء السورية إن المسح، الذي يُنفذ بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومنظمة العمل الدولية وبدعم من الاتحاد الأوروبي، يهدف إلى توفير بيانات حديثة عن سوق العمل، تساعد في إعداد السياسات الاقتصادية وبرامج التشغيل.

ويشمل المسح الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر، ضمن عينة موزعة على المحافظات الأربع عشرة، بواقع 2700 أسرة في كل محافظة، ويستمر جمع البيانات الميدانية 45 يوماً.

ومن المقرر إعلان النتائج الأولية أواخر كانون الثاني أو مطلع شباط 2027، بعد استكمال عمليات التدقيق والمعالجة الإحصائية.

البطالة قبل الحرب وخلالها

بلغ معدل البطالة في سوريا نحو 8.6 بالمئة عام 2010، وفق بيانات أوردها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قبل أن يرتفع إلى 48.3 بالمئة عام 2015، بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب.

وتضرر سوق العمل خلال تلك الفترة نتيجة توقف منشآت صناعية وتجارية، وتراجع النشاط الزراعي والاستثمارات، ونزوح ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها.

وفي عام 2023، قدّر المركز السوري لبحوث السياسات معدل البطالة بنحو 52 بالمئة، وفق بيانات استشهد بها تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء صدر في تشرين الأول 2024.

في المقابل، قدرت منظمة العمل الدولية معدل البطالة في سوريا بنحو 13.6 بالمئة لعام 2025، بحسب بياناتها المنشورة عبر البنك الدولي.

ولا تعني هذه الأرقام أن البطالة انخفضت من 52 بالمئة إلى 13.6 بالمئة خلال عامين، إذ تختلف مصادر البيانات وطرق احتساب البطالة والفئات المشمولة في كل تقدير.

لماذا تختلف نسب البطالة؟

يرتبط التفاوت بين تقديرات البطالة في سوريا باختلاف منهجيات القياس ومصادر البيانات، ولا سيما في ظل غياب مسوح ميدانية وطنية منتظمة خلال سنوات الحرب.

وتعتمد منظمة العمل الدولية في تقديراتها المنشورة على نماذج إحصائية تستند إلى البيانات المتاحة وتستخدم أساليب تقديرية لمعالجة النقص في المعلومات، بينما يعتمد المركز السوري لبحوث السياسات على دراسات وتقديرات بحثية لأوضاع سوق العمل خلال النزاع.

ووفق التعريف الدولي، يُحتسب معدل البطالة من خلال نسبة الأشخاص الذين لا يعملون ويبحثون عن وظيفة ومتاحون للالتحاق بها، من إجمالي القوى العاملة، وليس من مجموع السكان.

ولا يشمل هذا التعريف الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل، رغم عدم امتلاكهم وظيفة، كما لا يصنف العاملون في وظائف منخفضة الأجر أو لساعات محدودة ضمن العاطلين إذا استوفوا شروط التشغيل الإحصائية.

كذلك، فإن بعض الدراسات التي تسجل نسباً مرتفعة لعدم العمل تركز على فئات محددة، مثل اللاجئين العائدين والنازحين، ولا يمكن تعميم نتائجها على جميع السكان.

وتحول هذه الاختلافات دون إجراء مقارنة مباشرة بين التقديرات أو اعتبار الفارق بينها دليلاً على تحسن سوق العمل أو تدهوره خلال فترة محددة.

تقارير دولية ترصد ضعف فرص التشغيل

أفاد نحو 30 بالمئة من المشاركين في سن العمل بأنهم بلا عمل، وفق دراسة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شملت 7120 أسرة خلال الربع الأول من عام 2026، ونشرت نتائجها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تموز من العام نفسه.

وبلغت النسبة 33 بالمئة بين النساء، مقابل 28 بالمئة بين الرجال، وارتفعت إلى 36 بالمئة بين اللاجئين العائدين.

وأظهرت الدراسة أن نسبة العاملين في وظائف رسمية تراوحت بين ستة وسبعة بالمئة ضمن الفئات المشمولة، فيما اعتمد آخرون على أعمال غير منتظمة أو أنشطة اقتصادية خارج القطاع الرسمي.

وشملت الدراسة عائدين من اللجوء والنزوح وأفراداً من المجتمعات المضيفة، ولا تمثل نتائجها معدل البطالة الوطني لجميع السكان.

ونقلت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء عن المجلس الدنماركي للاجئين أن أكثر من 80 بالمئة من المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر التي شملتها دراسة في قطاعات الزراعة والبناء والنسيج كانت تعمل دون تسجيل رسمي أو ترتيبات عمل نظامية.

كما أشار التقرير إلى انخفاض الأجور في عدد من القطاعات، إذ تراوحت الأجور اليومية لبعض عمال البناء بين سبعة و12 دولاراً، بينما تقاضى بعض العاملين في الزراعة والمصانع أقل من 100 دولار شهرياً.

بطالة الشباب والنساء

قدرت منظمة العمل الدولية معدل البطالة بين الشباب السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً بنحو 33.1 بالمئة خلال عام 2025، مقارنة بمعدل عام بلغ 13.6 بالمئة.

وفي تقرير للأمم المتحدة عن سوريا لعام 2025، تجاوزت تقديرات بطالة الشباب 50 بالمئة، ووصلت بين الشابات إلى نحو 74 بالمئة، وفق البيانات التي استند إليها التقرير.

وفي أيار 2026، نشرت منظمة العمل الدولية دراسة شملت 5335 استجابة من سوريين عائدين في أربع محافظات، أظهرت أن أكثر من 80 بالمئة من المشاركين لم يكونوا يعملون وقت إجراء الدراسة.

وأشارت المنظمة إلى أن نقص فرص العمل والتدريب المهني وصعوبة الاعتراف بالمؤهلات والخبرات المكتسبة خلال سنوات اللجوء من أبرز المشكلات التي يواجهها العائدون.

واقتصرت الدراسة على عينة من العائدين في محافظات محددة، ولا تمثل نتائجها أوضاع جميع السكان في سوق العمل السورية.

الاقتصاد وفرص التشغيل

أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في شباط 2026، إلى حاجة سوريا لتوفير مئات الآلاف من فرص العمل سنوياً، مع التركيز على قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والبناء والصناعات الخفيفة والخدمات.

ودعا البرنامج إلى دعم المشروعات الصغيرة وتسهيل حصولها على التمويل، وتطوير برامج التدريب المهني لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

وفي نيسان 2026، قدر البنك الدولي نمو الناتج المحلي الحقيقي في سوريا خلال عام 2025 بما يتراوح بين اثنين وأربعة بالمئة، مع الإشارة إلى محدودية البيانات الاقتصادية الرسمية.

وتواجه القطاعات الإنتاجية تحديات تتعلق بتكاليف الطاقة والنقل والتمويل، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمنشآت والبنية التحتية خلال سنوات الحرب.

نتائج المسح مطلع 2027

وقالت هيئة التخطيط والإحصاء إن الفرق الميدانية ستجمع البيانات باستخدام أجهزة لوحية إلكترونية، وفق معايير دولية لقياس التشغيل والبطالة والمشاركة في النشاط الاقتصادي.

ويشمل المسح معلومات عن توزيع القوى العاملة بحسب العمر والجنس والمحافظة والقطاع الاقتصادي، إضافة إلى أوضاع العاملين في الأنشطة غير المنظمة.

وأكدت الهيئة أن المعلومات التي تقدمها الأسر ستبقى سرية، ولن تستخدم إلا للأغراض الإحصائية والتخطيطية.

ومن المقرر أن تصدر النتائج الأولية مطلع عام 2027، على أن يتبعها تقرير تفصيلي يتضمن مؤشرات سوق العمل في المحافظات السورية، بعد سنوات من الاعتماد على تقديرات محلية ودولية متفاوتة لمعدلات البطالة.