الشرع يرسم ملامح العلاقة مع العراق من النفط إلى الأمن

حجم الخط

لم تقتصر مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع مع قناة دجلة العراقية على استعادة الروابط التاريخية بين دمشق وبغداد، بل تناولت ملفات سياسية واقتصادية وأمنية تتصل بمستقبل العلاقة بين البلدين، في وقت تسعى فيه حكومتاهما إلى توسيع التعاون ومواجهة التحديات الإقليمية.

وفي الحوار الذي بثته القناة الثلاثاء 27 تشرين الأول، وضع الشرع المصالح المشتركة في مقدمة محددات العلاقة، متحدثاً عن مشروع لربط النفط العراقي بموانئ البحر المتوسط عبر سوريا، وتطوير التعاون في المياه والزراعة والنقل، إلى جانب تأييد حصر السلاح بيد الدولة العراقية، ومعالجة ملف آلاف المعتقلين السوريين في العراق.

كما استعاد الشرع تجربته الشخصية في العراق منذ عام 2003، مقدماً روايته عن دوافع ذهابه إلى البلاد، ومرحلة سجنه، وموقفه من الصراعات الطائفية التي شهدها العراق خلال السنوات التالية.

سوريا منفذ العراق إلى المتوسط

احتل الموقع الجغرافي لسوريا مساحة أساسية من حديث الشرع، الذي وصفها بأنها منفذ بحري استراتيجي للعراق على البحر المتوسط، وممر يتيح ربط العراق بالأسواق الغربية، وصولاً إلى الخليج العربي عبر شبكة من الطرق البرية والتجارية.

وتحدث عن إمكانية الربط بين ميناء الفاو العراقي وميناء طرطوس السوري، إلى جانب تطوير الطرق التي تربط السعودية بالعراق وسوريا، وتعزيز حركة النقل بين دول المنطقة.

وتتجاوز هذه الرؤية التبادل التجاري التقليدي، إذ تطرح سوريا ممراً محتملاً لتصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، بما قد يتيح تنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على مسارات محددة.

وفي هذا السياق، كشف الشرع أن العمل مستمر على مشروع للربط النفطي بمشاركة شركات إقليمية وأمريكية، موضحاً أنه لا يقتصر على إنشاء خطوط أنابيب، بل يشمل منظومة متكاملة تتصل بالتكرير وتأهيل البنية التحتية والمرافق المرتبطة بها.

وأشار إلى أنه نصح شركات أبدت اهتماماً بالاستثمار في سوريا بتوجيه استثماراتها إلى العراق أيضاً، مؤكداً أهمية إعادة بناء خطوط النفط باتجاه بانياس قبل أزمة مضيق هرمز، لما يمكن أن يحققه ذلك من منفعة للبلدين.

لكن المشروع، وفق ما ورد في المقابلة، لا يزال في إطار العمل والتطوير، ولم تتضمن التصريحات تفاصيل نهائية بشأن كلفته أو جدوله الزمني أو حجم الطاقة التي يمكن أن ينقلها. وتبقى جدواه مرتبطة بتحويل التفاهمات إلى اتفاقات تنفيذية واستثمارات فعلية.

أكثر من 140 ألف شاحنة خلال أشهر

قدّم الشرع أرقاماً عن حركة النقل والتجارة بين البلدين، قائلاً إن أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت عبرت بين سوريا والعراق، أو عبر الأراضي السورية إلى دول أخرى، خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية، إلى جانب أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير بين البلدين.

وتشير هذه الأرقام، وفق ما عرضه الرئيس السوري، إلى اتساع حركة العبور والتبادل التجاري، وتعزز دور المعابر والطرق البرية في العلاقة الاقتصادية بين البلدين.

كما أشار إلى بدء خطوات عملية للاستثمارات العراقية في سوريا، لافتاً إلى أن قطاع الإسمنت كان من أوائل القطاعات التي شهدت استثمارات عراقية بعد التغيير السياسي.

ويمثل التعاون الاقتصادي أحد المسارات القابلة للتقدم بين البلدين، خصوصاً أن حركة التجارة والنقل يمكن أن تحقق عوائد مباشرة للقطاعات الإنتاجية والخدمية، وتفتح المجال أمام مشاريع أوسع في الطاقة والصناعة والبنية التحتية.

غير أن استمرار هذا النمو يتطلب بيئة استثمارية مستقرة، وتسهيلات جمركية ولوجستية، وتنسيقاً بين المؤسسات المعنية، فضلاً عن وضوح الأطر القانونية التي تحكم الاستثمارات المشتركة.

من العلاقات التاريخية إلى المصالح المشتركة

استند الشرع في حديثه عن العلاقة السورية العراقية إلى الروابط الاجتماعية والعشائرية والاقتصادية، مؤكداً أن مصير البلدين مرتبط تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً.

وقال إن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تخضع للسياسات المزاجية، بل يجب أن تقوم على قواعد ثابتة ومصالح متبادلة تشمل الاقتصاد والمياه والزراعة والمعابر الحدودية والتنمية.

وفي إشارته إلى موقف بغداد منذ وصول الإدارة السورية الجديدة إلى دمشق، وصف الشرع توجه الحكومة العراقية بأنه إيجابي، رغم ما قال إنها محاولات من بعض القوى السياسية لدفعها نحو مواقف سلبية تجاه سوريا.

وأشاد في هذا السياق بموقف الحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، موضحاً أن التوافق على تطوير العلاقات كان حاضراً منذ الاتصالات الأولى بين الجانبين.

وتعكس هذه الرسائل توجهاً سورياً نحو تثبيت العلاقات مع العراق على أساس المصالح العملية، بعيداً عن تقلبات المواقف السياسية والخلافات التي أثرت في العلاقة بين البلدين خلال مراحل سابقة.

وشدد الشرع على أن سوريا لا تنظر إلى العراق من منظور طائفي أو عرقي، وإنما من زاوية الروابط التاريخية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي الجانب الاجتماعي، أكد انفتاح دمشق على تسهيل السفر والتنقل بين البلدين، موضحاً أن زيارة مقام السيدة زينب في ريف دمشق متاحة، مع ضرورة ضمان الظروف الأمنية ومنع استغلال الزيارات الدينية لإثارة التوترات الطائفية.

المياه والزراعة.. تعاون يتجاوز الحدود

لم يقتصر الحديث الاقتصادي على النفط والتجارة، بل امتد إلى المياه والزراعة، اللتين وصفهما الشرع بأنهما من أهم مجالات التعاون المشترك.

وأشار إلى أن المساحات الزراعية في سوريا والعراق تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم، ويمكن أن تسهم، وفق تقديره، في تلبية احتياجات ما بين 100 و130 مليون نسمة.

ورأى أن استثمار الموارد المائية بصورة استراتيجية، والاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة بالتعاون مع دول مثل الدنمارك وهولندا، يمكن أن يساهما في ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإنتاج الزراعي.

وتحدث عن دراسات تشير إلى إمكانية رفع الإنتاج بنحو 70% في بعض المناطق عند تطبيق التقنيات المناسبة.

وتبرز أهمية هذا الطرح في ظل التحديات المائية والزراعية التي تواجه البلدين، والحاجة إلى زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة.

لكن تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى تعاون فني ومؤسساتي طويل الأمد، يشمل إدارة المياه وتطوير أنظمة الري وتحديث وسائل الإنتاج، فضلاً عن معالجة التحديات المناخية والبيئية التي تؤثر في الأراضي الزراعية.

حصر السلاح.. رسالة تتجاوز الحدود

في الملف الأمني، أعلن الشرع دعمه توجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نحو حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن تعدد الأذرع العسكرية المرتبطة بالقوى السياسية والفصائل يضعف المؤسسات الرسمية ويجعل القرار العسكري موزعاً بين جهات متعددة.

وأكد أن قرار السلم والحرب ينبغي أن يبقى بيد الدولة، وأن بناء جيش موحد وقوي يمثل مصدر حماية لجميع المواطنين.

كما دعا القوى السياسية العراقية إلى دعم جهود مكافحة الفساد، واعتبر أن العراق يمتلك من الموارد والإمكانات ما يكفي لبناء دولة قوية، بعد سنوات طويلة من الاضطرابات التي أعقبت عام 2003.

وتعكس هذه التصريحات تبنّي دمشق خطاباً يركز على مركزية المؤسسات الرسمية ووحدة القرار العسكري، في ملف يُعد من القضايا الحساسة في المشهد السياسي والأمني العراقي.

وفي المقابل، شدد الشرع على ضرورة تجاوز المخاوف الأمنية التي قد تعرقل التعاون بين البلدين، مؤكداً أن استقرار سوريا يصب في مصلحة العراق، والعكس صحيح.

أكثر من ثلاثة آلاف معتقل سوري في العراق

برزت قضية المعتقلين السوريين في العراق بين الملفات التي تناولتها المقابلة.

وقال الشرع إن عدد السوريين المعتقلين يتجاوز ثلاثة آلاف شخص، مشيراً إلى أن بعضهم لا تربطهم صلة بالتنظيمات، وأن الجانبين يبحثان تصنيف المعتقلين إلى فئات، تمهيداً لدراسة مسؤولية سوريا عنهم وإمكانية إعادتهم إليها.

ويضع هذا التصريح الملف أمام مسار قانوني وإداري يتطلب تدقيق أوضاع المعتقلين، وتحديد خلفيات احتجازهم والمسؤولية القانونية عن كل حالة، قبل اتخاذ قرارات بشأن إعادتهم.

كما يثير الملف أسئلة تتعلق بالضمانات القانونية، وآليات التعامل مع من لا تثبت صلتهم بالتنظيمات، وشروط إعادة من تقرر السلطات المختصة إمكانية عودتهم.

ولم تتضمن التصريحات المعلنة جدولاً زمنياً لإتمام العملية أو تفاصيل نهائية بشأن الفئات التي ستشملها الإعادة، ما يعني أن الملف لا يزال في مرحلة البحث والتنسيق بين الجانبين.

الشرع يستعيد تجربته في العراق

خصص الشرع جانباً من المقابلة للحديث عن تجربته الشخصية في العراق، موضحاً أنه توجه إلى البلاد عام 2003، قبل دخول القوات الأمريكية بنحو أسبوع أو عشرة أيام، بدافع ما وصفه بالغيرة والنخوة والرغبة في الدفاع عن العراقيين.

وأكد، وفق روايته، أنه لم يذهب بناءً على ارتباطات تنظيمية أو سياسية أو عسكرية أو أمنية، وإنما بمبادرة شخصية، رغم أنه كان يتابع تعليمه ويعيش حياة مستقرة آنذاك.

وقال إنه دخل السجن في العراق عام 2005، وإنه لم يشارك في أحداث العنف الطائفي التي شهدها العراق عام 2006، بسبب وجوده في السجن وانقطاع الأخبار عن المعتقلين لفترات طويلة.

وأضاف أنه خرج من السجن عام 2011، قبل عودته إلى سوريا مع انطلاق الثورة.

وفي حديثه عن العراقيين، استعاد الشرع ما وصفه بكرمهم وشهامتهم ونخوتهم، مؤكداً اعتزازه بالتجربة التي عاشها في البلاد.

كما شدد على أنه لم يعتدِ، بحسب قوله، على مدني أو شخص أعزل، مميزاً بين ما وصفه بشرف القتال والقتل.

وتقدم هذه التصريحات رواية الشرع الشخصية عن مرحلة مبكرة من حياته، وتعيد وصل تجربته في العراق برؤيته الحالية للعلاقة بين البلدين.

فرصة لاستعادة القرار الإقليمي

في البعد السياسي الأوسع، اعتبر الشرع أن سوريا والعراق ودول المنطقة تمتلك مقومات تسمح لها ببناء دول قوية ومستقلة القرار، بعيداً عن التجاذبات الدولية والإقليمية والنزاعات الطائفية.

وأشار إلى أن أكثر من عشرة ملايين من السوريين والعراقيين يعيشون في الدول الغربية، وفق تقديره، بسبب غياب فرص الحياة في بلدانهم، معتبراً أن تهيئة الظروف المناسبة لعودتهم وتنمية الموارد البشرية مسؤولية مشتركة.

ودعا إلى الانتقال من الانشغال بصراعات الماضي إلى وضع برامج عملية تساعد المجتمعات على الحياة والتنمية والازدهار، مؤكداً أن قراءة التاريخ وفق الرغبات السياسية قد تحجب الواقع وتؤدي إلى مخاطر جديدة.

كما أبدى دعمه لبرنامج رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، معتبراً أن أكثر من عقدين من الاضطرابات منذ عام 2003 مدة كافية للعمل على بناء دولة قوية تستثمر مواردها وإمكاناتها.

من التصريحات إلى الاختبار العملي

تقدم مقابلة الشرع مع قناة “دجلة” تصوراً للعلاقة السورية العراقية يقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: توسيع التعاون الاقتصادي، وتنسيق الملفات الأمنية، وتثبيت العلاقات السياسية والاجتماعية على أساس المصالح المشتركة.

ويبرز مشروع الربط النفطي بوصفه أحد أكثر الملفات طموحاً، فيما تظهر أرقام حركة الشاحنات والاستثمارات في قطاع الإسمنت مؤشرات على نشاط اقتصادي قائم، وإن كانت لا تكفي وحدها للحكم على حجم التحول المنتظر.

في المقابل، تظل ملفات المعتقلين والمياه والأمن بحاجة إلى تفاهمات تفصيلية وإجراءات قابلة للقياس، حتى لا تبقى ضمن إطار التصريحات السياسية.

وتتمثل المسألة الأساسية في قدرة دمشق وبغداد على تحويل هذا التقارب إلى اتفاقات تنفيذية ومشروعات مستدامة، تحمي المصالح المشتركة من تقلبات السياسة وتمنح المواطنين في البلدين نتائج ملموسة.

فبين الروابط التاريخية التي استحضرها الشرع، والمصالح الاقتصادية التي يسعى إلى توسيعها، تبدو العلاقة السورية العراقية أمام اختبار عملي: هل تنجح الحكومتان في بناء شراكة طويلة الأمد تتجاوز الخلافات، أم تبقى الفرصة الجديدة رهناً باستمرار التوافق السياسي؟