كان السيران إلى غوطة دمشق طقساً صيفياً مألوفاً لدى العائلات الدمشقية؛ تحمل الأسرة طعامها وأمتعتها، وتتجه إلى البساتين لقضاء يوم بين الأشجار والمياه، في نزهة لا تحتاج إلى حجز مسبق أو تكاليف كبيرة.
ولا يزال بعض أبناء الغوطة يحافظون على جانب من هذا التقليد، فيخرجون بطعامهم ويبحثون عن مكان مفتوح بين الأشجار أو بالقرب من المياه. إلا أن شكل النزهة تغيّر بالنسبة إلى كثير من سكان دمشق وريفها، إذ حلّت المزارع الخاصة والاستراحات المحجوزة، بما توفره من خصوصية ومسابح وخدمات، مكان البساتين المفتوحة بصورة متزايدة.
ولا يرتبط هذا التحول بتغير عادات الترفيه فحسب، بل بتبدل المكان نفسه، وتراجع البساتين والمصادر المائية، وتداعيات سنوات الثورة والحرب، إلى جانب الظروف الاقتصادية التي جعلت الرحلات إلى المناطق الساحلية والمصايف البعيدة أكثر كلفة على كثير من العائلات.
الغوطة التي تغيّرت.. والسيران الذي تغيّر معها
يصف رئيس بلدية كفربطنا، مهند خربوطلي، في حديثه إلى سوريا 24، التغير الذي طرأ على الغوطة بالقول إن المنطقة «لم تعد كما كانت، ولا السيران فيها كما كان».
ويشير خربوطلي إلى أن «الأشجار والينابيع والأنهار تراجعت بشكل كبير»، موضحاً أن الأراضي تعرضت للتصحر، فيما استُخدمت الأشجار خلال سنوات الحصار للتدفئة والطبخ، الأمر الذي انعكس على طبيعة المنطقة ومساحاتها الخضراء.
ويستعيد أبو يوسف، من أهالي جسرين، في حديثه إلى سوريا 24، صورة الغوطة في السابق، حين كانت العائلات تتوافد إليها للجلوس تحت أشجار الجوز والمشمش، فيما كانت السواقي والينابيع جزءاً أساسياً من المشهد.
ويقول إن تراجع المياه وجفاف بعض مصادرها، إلى جانب تضرر البساتين وتراجع المساحات الخضراء نتيجة تجريف الأراضي وترك أجزاء منها لسنوات من دون زراعة، أدى إلى تغيير طبيعة الأماكن التي اعتاد السكان قصدها للنزهة.
من البستان المفتوح إلى المزرعة الخاصة
ولا يمكن، وفق أبو سعيد، وهو فلاح وصاحب منتزه سابق من أهالي الغوطة الشرقية، فصل تراجع المنتزهات الشعبية عن آثار النزاع المسلح الذي شهدته سنوات الثورة.
ويقول لـ”سوريا 24″ إن العمليات العسكرية وما رافقها من تهجير وتضرر للأراضي والبنية الزراعية أثرت بصورة مباشرة في عمل الفلاحين والمنتزهات. كما واجه العائدون إلى المنطقة صعوبات في استعادة النشاط الزراعي، من بينها نقص الأيدي العاملة نتيجة مقتل أعداد من السكان خلال الحرب، والهجرة، وترك الزراعة والانتقال إلى مهن أخرى.
ويضيف أن نقص مستلزمات الإنتاج ومشكلة الكهرباء، التي تعرقل تشغيل الآبار واستخراج المياه منها، زادا من صعوبة استعادة النشاط الزراعي إلى سابق عهده.
ومع تراجع النشاط الزراعي والمنتزهات الشعبية، برزت المزارع الخاصة بوصفها بديلاً للترفيه، تعتمد على استثمارات فردية وتقدم للزوار خدمات وخصوصية لم تكن جزءاً من نموذج السيران التقليدي.
حين أصبح السيران يحتاج إلى حجز
يقول أبو زياد، من حي الشاغور في دمشق، لـ”سوريا 24″، إن مظاهر السيران الشعبي تراجعت لصالح استئجار المزارع الخاصة والحجز المسبق.
ويستعيد فترة كانت فيها العائلات تخرج من أحياء دمشق باتجاه الغوطة، وتحضر طعامها معها، وتقضي اليوم بين الأشجار وبالقرب من الأنهار، من دون الحاجة إلى تحمل تكاليف مرتفعة.
أما اليوم، فأصبح قضاء يوم في الغوطة بالنسبة إلى كثير من الزوار مرتبطاً باستئجار مزرعة توفر الخصوصية والمسبح والخدمات.
ويتزامن ذلك مع ارتفاع كلفة الرحلات إلى البحر والمصايف البعيدة، ما يجعل المزارع القريبة خياراً عملياً لبعض الأسر، حتى وإن كانت كلفتها أعلى بكثير من نموذج السيران الشعبي القديم.
في المقابل، لا يزال بعض أبناء الغوطة يفضلون النمط التقليدي للنزهة، من خلال إعداد الطعام في المنزل والجلوس في الهواء الطلق والبحث عن مساحة مفتوحة بين الأشجار أو بالقرب من المياه.
وبذلك، لم يختفِ السيران تماماً، لكنه تغير في مكانه وطريقته وكلفته.
المياه.. من عنصر جذب إلى مصدر قلق
لا يقتصر التحول في نمط النزهة على تغير شكل المكان، إذ يطرح انتشار المزارع الخاصة، ولا سيما تلك التي تضم مسابح، إشكالية أخرى تتعلق باستخدام المياه.
ففي حزيران/يونيو 2026، شهدت الغوطة الشرقية إجراءات وتحذيرات رسمية مرتبطة بالمسابح والمزارع المخالفة، في سياق الحديث عن حماية الأراضي الزراعية والموارد المائية، شملت اتخاذ إجراءات بحق آبار ومسابح مخالفة.
وتأتي هذه الإجراءات في منطقة تعاني أصلاً من ضغوط على مواردها المائية، ما يجعل استخدام المياه لأغراض ترفيهية موضع نقاش، ولا سيما عندما يرتبط بآبار غير مرخصة أو مخالفات تتعلق باستخدام المياه.
ولا يقتصر التعامل مع هذه المشكلة على منع الاستخدام المخالف، إذ تترافق الإجراءات التنظيمية مع محاولات لتحسين واقع الموارد المائية في المنطقة.
وفي تموز/يوليو 2026، واصلت مديرية الموارد المائية في دمشق وريفها أعمال إعادة تأهيل مجرى نهر الريحان في الغوطة الشرقية، بهدف تحسين واقع المجاري المائية والحفاظ على استدامتها.
كما يجري العمل على إعادة استخدام المياه المعالجة في ري أراضي الغوطة الشرقية، ضمن مشروع يهدف إلى توفير مصدر إضافي للري وتخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية. وتشير بيانات المشروع إلى إمكانية ري نحو 18.7 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالمياه المعالجة القادمة من محطة عدرا.
هل يمكن أن يعود سيران الغوطة؟
لا تتعلق المشكلة، إذاً، باختفاء أماكن التنزه وحدها، بل بتراجع البيئة التي نشأ فيها تقليد السيران أساساً.
فالسيران القديم كان يعتمد على عناصر متوافرة في المكان: البساتين والأشجار والمياه والمساحات المفتوحة. ومع تراجع هذه العناصر، أصبح الزائر يبحث عن بديل يوفر له جزءاً مما فقده، فظهرت المزارع الخاصة والاستراحات بوصفها نموذجاً جديداً للنزهة.
لكن استعادة السيران القديم لا تبدو مرتبطة بمنع المزارع والاستراحات الخاصة وحدها، كما أن تنظيم هذه المنشآت وضبط استخدامها للمياه يمثلان جزءاً من معالجة أوسع لمشكلة الموارد المائية.
وتشير الإجراءات والمشاريع الحالية إلى أن استعادة جزء من الوظيفة الزراعية والبيئية للغوطة تتطلب إعادة تأهيل المجاري المائية، وتنظيم استخدام الآبار والمسابح، وتحسين إدارة المياه المخصصة للزراعة، والاستفادة من المياه المعالجة في الري.
أما إعادة السيران إلى صورته القديمة، فتحتاج قبل كل شيء إلى استعادة جزء من البساتين والمياه والمساحات الخضراء التي جعلت الغوطة وجهة للنزهة على مدى عقود.
وبين عائلة تحمل طعامها وتجلس في مساحة مفتوحة، وأخرى تحجز مزرعة خاصة لقضاء يوم واحد، تبدو المسافة بين سيران الأمس واليوم واسعة.
فالسيران لم يختفِ تماماً، لكنه انتقل تدريجياً من البستان المفتوح إلى المكان المحجوز. ويبقى السؤال الأوسع: هل يمكن استعادة الغوطة نفسها، لا مجرد استعادة عادة السيران فيها؟