جددت محافظة دمشق، الخميس، دعوتها للمودعين لدى مشروع “شجرتي”، المرتبط بزاهر أحمد نوري زنبركجي، لمراجعة لجنة تصفية أمواله، في خطوة تعيد إلى الواجهة ملفاً يعود إلى أكثر من ست سنوات، وسط غياب بيانات رسمية محدثة عن حجم الأموال المستردة ونسبة ما سيحصل عليه أصحاب الحقوق.
وقالت المحافظة إن المراجعة ستكون في مبناها، بالطابق السادس، الغرفة 609، أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء من الأسبوع المقبل، من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً.
وطلبت من المراجعين إحضار صورة عن الهوية الشخصية، وصورة عن البطاقة الخاصة بالشركة، إضافة إلى وثيقة “إسقاط حق شخصي” صادرة عن المحكمة.
وتقتصر الدعوة، بحسب المحافظة، على الأشخاص الذين سبق لهم الادعاء أمام القضاء.
مزادات لتسديد حقوق المودعين
ويأتي تجديد الدعوة في وقت تواصل فيه لجنة تصفية أموال زنبركجي إجراءات بيع ممتلكات مرتبطة به، بهدف توفير السيولة اللازمة لتسديد حقوق المودعين.
وسبق للجنة أن أعلنت طرح عقارات وسيارات للبيع بالمزاد العلني، وقالت إن حصيلة عمليات البيع ستخصص لسداد حقوق أصحاب الأموال.
غير أن الإعلانات الرسمية المنشورة حتى الآن لم تحدد القيمة الإجمالية التي تم تحصيلها من عمليات التصفية، أو حجم المبالغ التي أصبحت متاحة للتوزيع على أصحاب الحقوق.
كما لم تعلن المحافظة النسبة التي سيتمكن كل مودع من استردادها من أصل أمواله، أو عدد الأشخاص الذين حصلوا بالفعل على مستحقاتهم.
ولا يزال غير معلن أيضاً الجدول الزمني المتوقع للانتهاء من عملية التصفية.
القضية بدأت في 2020
وتعود قضية “شجرتي” إلى كانون الثاني/ يناير 2020، عندما أغلقت السلطات مكتب “مركز الأعمال الكوري” المرتبط بزنبركجي في منطقة المزة بدمشق، على خلفية جمع أموال من مواطنين مقابل وعود بعوائد مالية.
وقالت وزارة الإدارة المحلية والبيئة في ذلك الوقت إن مذكرة التفاهم المرتبطة بمشروع “شجرتي” كانت تتعلق بالتشجير والتوعية البيئية، ولم تكن تتضمن نشاطاً تجارياً أو جمع أموال من المواطنين.
كما قالت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك آنذاك إنه لا يوجد ترخيص باسم “شجرتي” أو “مركز الأعمال الكوري” يسمح بممارسة نشاط تشغيل الأموال.
وألقت السلطات الأمنية في عهد نظام الأسد القبض على زنبركجي في كانون الأول/ يناير 2020، وبدأت بعدها الإجراءات القضائية المتعلقة بالقضية وأموال المودعين.
آلاف المدعين ومليارات الليرات
وفي آب/ أغسطس 2020، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة الاقتصادية في دمشق حكماً قابلاً للطعن بسجن زنبركجي 15 عاماً، إضافة إلى غرامة مالية قدرها عشرة مليارات ليرة سورية.
لكن الغرامة لا تمثل قيمة أموال المودعين، إذ كانت منفصلة عن الحقوق الشخصية التي ألزم الحكم زنبركجي بردها لأصحابها.
وقال مصدر قضائي لوسائل إعلام سورية آنذاك إن عدد المدعين الشخصيين في القضية بلغ نحو 4600 شخص، وإن قيمة الحقوق المطالب بها تجاوزت مليارات الليرات.
ولم ينشر في ذلك الوقت رقم قضائي نهائي يحدد إجمالي الأموال التي جمعها المشروع.
كما تحدثت تقارير صحفية في بداية القضية عن عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين تعاملوا مع “شجرتي”، وصلت بعض التقديرات غير الرسمية إلى عشرات الآلاف.
ولا يتضح حتى الآن عدد هؤلاء الذين ثبتت حقوقهم قضائياً أو دخلوا فعلياً ضمن إجراءات التصفية.
أين وصلت الأموال؟
وخلال السنوات التالية، انتقل الملف إلى مرحلة حصر ممتلكات زنبركجي وبيع بعضها بالمزاد العلني، وأعلنت لجنة التصفية في مراحل مختلفة عن طرح سيارات وعقارات، بينها حصص في عقارات، على أن تخصص حصيلة البيع لتسديد حقوق المودعين.
لكن تجديد محافظة دمشق دعوتها للمراجعة لم يتضمن كشفاً مالياً يوضح حجم الأصول التي جرى حصرها، أو قيمتها التقديرية، أو إجمالي حصيلة المزادات التي نُفذت حتى الآن.
كما لم توضح البيانات المنشورة حجم الفجوة بين الأموال المتاحة من التصفية وإجمالي الحقوق المثبتة للمودعين.
وتبقى أسئلة أخرى دون إجابات منشورة، من بينها عدد المودعين الذين حصلوا على أموال حتى الآن، والنسبة التي حصل عليها كل منهم، ومصير أصحاب الأموال الذين لم يتقدموا بادعاء قضائي في السنوات السابقة.
“شجرتي”..وجذور النصب على المواطن
ولا تعد قضية “شجرتي” أول أزمة واسعة النطاق لجمع وتشغيل أموال المواطنين تشهدها سوريا، ففي تسعينيات القرن الماضي، برزت في حلب شركات ورجال أعمال جمعوا أموالاً من المواطنين مقابل تشغيلها وتحقيق عوائد مرتفعة، وكان من أبرز الأسماء المرتبطة بتلك المرحلة محمد ومصطفى كلاس ومصطفى أمينو وأحمد الأخرس.
إذ أودعت نحو 140 ألف عائلة قرابة 16 مليار ليرة سورية لدى كبار جامعي الأموال، قبل أن تتعثر الشركات وتتدخل السلطات وتوقف عدداً من أصحابها وتحيلهم إلى القضاء الاقتصادي.
ودفعت الأزمة السلطات لاحقاً إلى تشديد القيود القانونية على جمع الأموال من المواطنين، في محاولة لمنع تكرار الظاهرة خارج القنوات المالية المرخصة.
وبعد عقود، أعادت قضية “شجرتي” إلى الواجهة جانباً من الأسئلة نفسها المتعلقة بحماية أموال المواطنين والرقابة على الجهات التي تجمعها، لكن ضمن ظروف اقتصادية وقانونية مختلفة.
وبينما انتقلت قضية “شجرتي” إلى مرحلة تصفية ممتلكات زاهر زنبركجي وبيع بعضها لتسديد حقوق أصحاب الأموال، لا تزال البيانات المنشورة لا تكشف إجمالي الحقوق المثبتة للمودعين، أو حصيلة ما جُمع من عمليات التصفية، أو النسبة التي سيتمكن أصحاب الحقوق من استردادها.
وبذلك يبقى السؤال الذي رافق أزمات جمع الأموال منذ التسعينيات قائماً: كم يستطيع المودعون استعادة فعلياً عندما تنهار الجهة التي وضعت أموالهم لديها؟