بعد سنوات من تهجير سكان منطقة الخليج في داريا ودمار منازلهم، تطرح محافظة ريف دمشق مشروعاً لإعادة تنظيم المنطقة وإعمارها، يتضمن نحو 19 ألف وحدة سكنية ومرافق خدمية واستثمارية، وسط نقاش بين المالكين حول حصصهم وآلية احتسابها وشروط تنفيذ المشروع.
وبحسب المكتب الإعلامي لمدينة داريا، عقدت المحافظة، بالتنسيق مع إدارة منطقة وبلدية داريا، 12 جلسة حوارية مع أهالي الخليج، لعرض مشروع يهدف إلى تحويل المنطقة إلى حي عمراني منظم يضم وحدات سكنية وطرقات ومساحات خضراء ومدارس ومساجد ومستوصفات وبنية تحتية متكاملة.
وتشير الحصص التي عرضتها الجهات المحلية إلى تخصيص 40% لأصحاب الأراضي الزراعية الواقعة خارج التنظيم، و50% لأصحاب العقارات داخل التنظيم غير المبنية، و60 إلى 70% لأصحاب العقارات التي كان عليها بناء قبل عام 2012.
لكن هذه النسب أصبحت إحدى أبرز نقاط النقاش بين المالكين، إذ يقول عمر، وهو أحد أبناء المنطقة ومالك عقار فيها، إن طريقة احتسابها لم تكن واضحة بما يكفي بالنسبة إلى عدد من أصحاب الحقوق.
ويوضح عمر أن الحديث عن حصول مالك العقار على 60 أو 70% من المساحة الطابقية فقط، قد يُفهم منه أنه سيحصل على النسبة نفسها من كامل البناء الذي سيقام على أرضه، بينما المقصود، بحسب ما فهمه من الطرح، هو منحه مساحة بناء جاهزة تعادل تلك النسبة من مساحة ملكيته، وليس نسبة من كامل المساحات التي ستنتج عن إقامة أبنية متعددة الطوابق.
ويطرح مثالاً على ذلك بمالك أرض مساحتها ألف متر مربع، مشيراً إلى أن إقامة بناء مؤلف من عدة طوابق تفتح سؤالاً حول المساحات الناتجة عن استثمار الأرض، ومن يملكها، وكيف تقارن المساحة التي يحصل عليها صاحب الأرض بإجمالي المساحات المبنية.
وبذلك، فإن الخلاف لا يدور فقط حول الرقم المعلن، وإنما حول كيفية ترجمة هذه النسبة إلى مساحة فعلية وحقوق قابلة للتملك والانتفاع بعد انتهاء المشروع.
وقال مالك الرفاعي، أحد أبناء داريا، لسوريا بلس إن الأهالي “لا يرفضون المشروع من حيث المبدأ”، لكنهم يريدون أن تراعي عملية إعادة الإعمار قدرة السكان المهجرين على العودة والسكن في مدينتهم، وألا تتحول المنطقة إلى مشروع استثماري لا يستطيع أبناؤها تحمل تكاليفه.
وأضاف أن الأولوية بالنسبة للأهالي هي تأمين أكبر عدد ممكن من المنازل والشقق للعائلات التي هُجرت من داريا، بما يساعدها على استعادة استقرارها والعودة إلى أرضها، قبل التركيز على الفرص الاستثمارية.
وأثار الرفاعي كذلك مسألة الأساس القانوني للتفويض الذي يُطلب من الأهالي توقيعه، مشيراً إلى أن المحافظة تطلب منهم، بحسب قوله، التوقيع على تفويض يستند إلى قانون وضعه النظام السابق عام 2015 لتنظيم الاستملاك القسري.
وأضاف أن الإشكالية، من وجهة نظره، تتمثل في اللجوء إلى تشريعات وضعها النظام السابق لتنظيم إعادة إعمار مناطق دمّرها، بدلاً من انتظار قوانين جديدة يقرها مجلس الشعب وتنظم إعادة تأهيل المناطق المدمرة بما يراعي ظروف سكانها وحقوقهم.
تقول المحافظة إن المشروع ما يزال في مرحلة النقاش، وإن الانتقال إلى المراحل التالية مرتبط بالحصول على تفويض من نحو 70 إلى 75% من أصحاب الحقوق والمالكين.
وفي المقابل، يقول أهالٍ تحدثنا إليهم إن عدداً من المالكين لا يعترضون على مبدأ إعادة إعمار الخليج، لكنهم يريدون معرفة التفاصيل الفنية والمالية قبل منح التفويض، معتبرين أن المشاركة في جلسات الحوار أو الموافقة على ضرورة إعادة إعمار المنطقة لا تعني بالضرورة الموافقة على جميع تفاصيل المخطط.
ومن بين المطالب التي يذكرها المالكون الحصول على دفتر شروط فني ومالي يوضح طبيعة الأبنية، وآلية توزيع المساحات، وشروط الاستثمار، وحقوق المالكين، والضمانات في حال تأخر التنفيذ أو تعثره.
وتظهر هذه المطالب أيضاً في اجتماع عقده مالكون وسكان من المنطقة في 25 أيلول لمناقشة المشروع، حيث تركز النقاش على الحصص المطروحة وآلية احتسابها وما سيحصل عليه صاحب الأرض مقابل التفويض.
ماذا عن المستثمر والعوائد؟
يشمل التصور المطروح للمشروع، إلى جانب الوحدات السكنية، مدارس ومستوصفات ومساحات خضراء وطرقات ومشاريع استثمارية وخدمية. وتبلغ المساحة الإجمالية للمخطط نحو 1.5 مليون متر مربع.
ويطرح عمر، إلى جانب حصة المالك من المساحات المبنية، أسئلة حول العوائد الناتجة عن الأنشطة التجارية والاستثمارية، والجهة التي ستعود إليها هذه العوائد، وحصة أصحاب العقارات منها.
كما يطالب المالك بمعرفة الجهة التي ستنفذ المشروع، ومتى سيجري اختيار المستثمر، وما الضمانات التي ستقدم لأصحاب الحقوق في حال عدم الالتزام بجدول التنفيذ أو المواصفات.
وبحسب المعلومات المنشورة حتى الآن، لم يدخل المشروع مرحلة التنفيذ، فيما تعمل المحافظة على استكمال مرحلة التفويض قبل الانتقال إلى الخطوات التالية.
كذلك طرح بعض المالكين مشكلة أخرى تتعلق بصغر المساحة التي قد يحصلون عليها مقارنة بمساحة عقاراتهم الأصلية. يقول أحد الأهالي إن مالكاً كان يعيش مع أسرته على أرض مساحتها 400 متر مربع، ثم يحصل بعد المشروع، وفق النسبة المطروحة، على مساحة سكنية قد تصل إلى نحو 100 متر مربع فقط، قد تكون عبارة عن شقة واحدة.
ويضيف أن الأسرة التي كانت تقيم على مساحة 400 متر مربع قد تكون اليوم أكبر عدداً، وبالتالي فإن الحصول على شقة بمساحة محدودة لا يحل مشكلة السكن بالنسبة إليها،
خصوصاً إذا كان المالك يرغب في البقاء ضمن المنطقة نفسها، مشيراً إلى أن قيمة الشقة الناتجة عن حصته قد لا تمكّنه من شراء عقار مماثل في داريا أو في منطقة قريبة منها.
ويختصر اعتراضه بالقول إن المالك، وفق هذا التصور، قد يجد نفسه أمام بدل سكني عن أرضه، لكنه لا يحصل بالضرورة على مساحة تكفل له الاستمرار في السكن ضمن المنطقة التي كان يعيش فيها، وهو ما يعتبره بعض الأهالي نقطة أساسية في تقييم جدوى المشروع بالنسبة إلى الأسر المالكة للعقارات.
ماذا عن الرافضين؟
من النقاط التي يطرحها أصحاب الملكية أيضاً مصير أصحاب العقارات الذين لا يوافقون على المشروع، وما إذا كان بإمكانهم الاحتفاظ بملكياتهم وتطويرها بصورة مستقلة، خصوصاً إذا كانت عقاراتهم تقع ضمن حدود المخطط.
ويعتبر أن هذه المسألة تحتاج إلى توضيح مكتوب، لا سيما في حال تمكن المشروع من الحصول على النسبة المطلوبة من التفويض وبقي جزء من أصحاب الحقوق خارج الاتفاق.
كما يطالب المالكون بتوضيح الطبيعة القانونية للتفويض، وما إذا كان يقتصر على السماح بإعداد المشروع والتعاقد مع المستثمر، أم يشمل قرارات لاحقة تتعلق بالملكية والتصرف بالعقارات.
ولا تتوافر حتى الآن، في المصادر المنشورة التي اطلعت عليها “سوريا بلس”، صيغة نهائية منشورة تحدد بصورة تفصيلية حقوق من لا يمنح التفويض أو الآلية التي ستطبق على العقارات التي يرفض أصحابها المشاركة في المشروع.
مشروع ينتظر التفاصيل
بينما تتحدث المحافظة عن جلسات حوارية وعن تفويض مطلوب من نسبة من أصحاب الحقوق قبل الانتقال إلى مراحل التنفيذ، يطالب مالكون بتفاصيل مكتوبة حول نسب الحصص وآلية احتسابها، وحصة المستثمر، والمشاريع التجارية، ومدة التنفيذ، والضمانات، ومصير غير الموافقين.
ويطرح الأهالي أيضاً فكرة إشراك القادرين على التبرع في تمويل بناء المساجد، بدلاً من تحميل جميع المالكين تبعات المشروع، بحيث يساهم المقتدرون في تمويل بناء المرافق أو الوحدات، ويعود ذلك بالنفع على بقية السكان والمالكين.
كما يطالبون بتوضيح الحصة التي ستخصصها محافظة ريف دمشق وبلدية داريا في المشروع ومصادر تمويلها، معتبرين أن معرفة مساهمة الجهات العامة جزء أساسي من فهم كلفة المشروع وآلية تمويله وتوزيع الحقوق والعوائد فيه.