في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، خرج محمد عبدو الشيخ من سجن صيدنايا بعد نحو خمس سنوات قضاها بين الأفرع الأمنية والسجن. كانت لحظة الخروج بالنسبة إليه بداية مرحلة مختلفة، لكنها لم تعنِ انتهاء آثار الاعتقال، إذ وجد نفسه أمام إصابة تحتاج إلى علاج، ومسار مهني انقطع لسنوات، وحياة شخصية يحاول إعادة بنائها.
عبدو الشيخ، البالغ من العمر 38 عاماً، من مدينة سقبا ويعمل في صناعة الأثاث، اعتُقل في 24 كانون الأول/ديسمبر 2019، بعد دخول قوات النظام المخلوع إلى الغوطة الشرقية عقب تهجير أهلها. وتنقل بين عدة أفرع أمنية قبل نقله إلى سجن صيدنايا، حيث أمضى نحو أربع سنوات ونصف.
ويقول الشيخ لسوريا بلس إن اعتقاله جاء على خلفية انتمائه سابقاً إلى الجيش الحر في الغوطة، وإنه بقي في المنطقة بعد عمليات التهجير رغبةً في البقاء إلى جانب عائلته، قبل أن تبدأ حملات الاعتقال.
وبحسب روايته، أمضى نحو ستة أشهر في عدة أفرع أمنية، بينها الأفرع 248 و227 و235 وفرع فلسطين، قبل نقله إلى صيدنايا.
ويتذكر الشيخ ظروف الاحتجاز في السجن، ولا سيما فترات العزل، قائلاً: “قضينا ثمانية أيام، وكنا سبعة شبان في زنزانة لا تتجاوز مساحتها متراً بمتر، ولم نكن نرى بعضنا بعضاً. كانت الزنزانة مظلمة بالكامل، وكان ممنوع النظر في وجه العسكر، حيث كان العسكري يفتح الباب من فتحة صغيرة، يلقي الطعام ثم يغادر”.
ويضيف أن الطعام كان يقتصر غالباً على البرغل أو الأرز، معتبراً أنه كان يؤمّن الحد الأدنى للبقاء ولا يشكل وجبة مشبعة.
الساعات الأخيرة داخل صيدنايا
قبل فتح أبواب السجن بأيام، بدأ الشيخ ورفاقه يلاحظون تغيرات في إجراءات الحراسة، بحسب روايته.
ويقول إن المعتقلين لاحظوا منذ منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وجود عناصر حراسة في نوبات إضافية، بالتزامن مع تشديد الإجراءات خلال الزيارات.
وفي الأول من كانون الأول/ديسمبر، استقبل الشيخ أخته التي جاءت لزيارته، ولاحظ وجود عدد أكبر من العناصر الأمنية حول الأهالي، في وقت بدأت تصل إلى المعتقلين أخبار متفرقة عن التطورات العسكرية خارج السجن.
ويقول إنهم سمعوا أخباراً عن سقوط حلب وحماة، ثم بدأت تصلهم مؤشرات عن تراجع وجود العناصر داخل السجن.
وفي الساعات الأخيرة، ساد الهدوء داخل صيدنايا بصورة غير معتادة، قبل أن يسمع المعتقلون أصوات إطلاق نار وتكبيرات في الخارج.
ويقول الشيخ: “كنا نعتقد في البداية أن ما يحدث ربما يكون جزءاً من التعذيب أو نهاية حياتنا بإعدام جماعي على يد قوات النظام، اختبأنا في الحمامات، ولم نكن نعرف ما يجري”.
ثم بدأت أبواب الأجنحة تُفتح، وسمع المعتقلون أصوات مدنيين يسألون عن وجود سجناء في الداخل.
وعندما أُبلغوا بأن الداخلين هم من “الجيش الحر” وجاؤوا لإخراجهم، لم يستوعب الشيخ ورفاقه الأمر في البداية، قبل أن يروا المدنيين وهم يصورون بهواتفهم.
ويقول: “عندما رأيت النساء والشبان، تأكدت أن هذه هي الخطوة الأولى نحو الحرية، وأن النظام قد سقط”.
وبحسب روايته، خرج من السجن نحو ألفي معتقل، وسط ازدحام كبير في الطرق المحيطة بصيدنايا، قبل أن يبدأ كثير منهم رحلة البحث عن عائلاتهم ومنازلهم.
العودة إلى الحياة والعمل
بعد خروجه، حاول الشيخ استعادة حياته المهنية سريعاً. وفي 10 شباط/فبراير 2025، أي بعد نحو شهرين من الإفراج عنه، عاد إلى العمل في مجال النجارة.
بدأ العمل تدريجياً، بأربع أو خمس ساعات يومياً، قبل أن يستعيد قدرته على العمل لفترات أطول.
لكن العودة إلى العمل ترافقت مع مشكلات صحية. فقد خرج الشيخ من السجن مصاباً في عظمة الترقوة، ويقول إن الإصابة ناجمة عن اعتداء أحد العناصر عليه، وإنها ما تزال تحتاج إلى عملية جراحية.
كما أُصيب بمرض السل خلال فترة الاعتقال، وخضع للعلاج داخل السجن وبعد خروجه، ويقول إنه أنهى العلاج قبل نحو عام، بينما لا تزال مشكلات أسنانه بحاجة إلى معالجة.
ويشير إلى أن إصابة الترقوة تؤثر في قدرته على حمل الأشياء الثقيلة، كما تزداد آلامها خلال فصل الشتاء، في وقت ينتظر فيه إجراء عملية لإعادة العظم إلى وضعه الطبيعي.
احتياجات تتجاوز الجانب الصحي
ولا تقتصر التحديات التي يواجهها المعتقلون السابقون على الآثار الصحية، وفق محمد سعد الدين، وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا وإعلامي ومتحدث باسم معتقلي سقبا.
ويقول سعد الدين إن عدداً من المعتقلين السابقين يواجهون صعوبات في الاندماج مجدداً في المجتمع، نتيجة آثار نفسية وجسدية وصحية ومادية خلفتها سنوات الاعتقال.
ويشير إلى أن أشكال الدعم المتاحة لا تزال محدودة، وتتركز في بعض الحالات على جلسات فيزيائية ودعم نفسي، بينما تشمل المطالب الأساسية، بحسب قوله، “الدعم المادي واللوجستي، وتوظيف المعتقلين، ودعم العمليات الصحية، سواء بمبادرة من الدولة أو المنظمات”.
ويطالب سعد الدين بتوفير فرص عمل للمعتقلين السابقين ودعمهم بمشاريع تساعدهم على تأمين مصادر دخل، مع مراعاة مهنة كل شخص أو المهارات التي يمتلكها.
مطالب بالصحة والعمل وتسوية الأوضاع
وترافقت هذه المطالب مع تحركات واحتجاجات سابقة في مدينة سقبا شارك فيها معتقلون سابقون، للمطالبة بمعالجة أوضاعهم وتأمين احتياجات صحية ومادية ومهنية، إلى جانب تسوية الأوضاع القانونية وتوفير فرص العمل.
ويقول الشيخ إنه لم يشارك في الاحتجاجات، موضحاً أن موقفه ارتبط، بحسب قوله، بعدم وجود توحيد كافٍ في الخطاب والمطالب بين المعتقلين، معتبراً أن توحيد المطالب يمكن أن يجعلها أكثر وضوحاً.
وبالنسبة إليه، تأتي معالجة إصابته في مقدمة أولوياته، إذ ينتظر منذ خروجه إجراء العملية الخاصة بعظمة الترقوة، والتي ما تزال تؤثر في قدرته على العمل وحمل الأشياء الثقيلة.
ولا تقتصر مطالبه على الجانب الصحي، إذ يقول إن سنوات الاعتقال استنزفت جزءاً كبيراً من سنوات شبابه، وإنه يرغب اليوم في بناء حياة شخصية وتأسيس أسرة، لكنه لا يستطيع تحمل تكاليف فتح منزل في ظل وضعه المادي الحالي.
أوراق قانونية ومسارات مهنية انقطعت
وتقول رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا إن التحديات التي يواجهها المعتقلون السابقون تمتد إلى الجوانب القانونية والاقتصادية والتعليمية والمهنية.
ويوضح مدير الرابطة دياب سرية أن “الواقع صعب، والناس بحاجة إلى مساعدة وبرامج لإعادة الإدماج”، مشيراً إلى وجود مشكلات اقتصادية وقانونية لدى عدد من المعتقلين السابقين.
ويذكر أن بعض الخارجين من السجن لا يزالون يفتقرون إلى أوراق هوية أو إثباتات شخصية، فيما لم تُحسم ملفات قانونية أخرى، ويقول إن بعض الأشخاص لا تزال لديهم أحكام صادرة عن محاكم الإرهاب أو المحاكم الميدانية.
ويضيف أن الدولة، بحسب تقييمه، لم تتخذ حتى الآن خطوات كافية لمعالجة هذا الملف القضائي، موضحاً أن بعض المعتقلين يحتاجون إلى مراجعة أوضاعهم القانونية، أو توكيل محامين، أو متابعة ملفاتهم المتعلقة برد الاعتبار.
ولا تتوقف تداعيات الاعتقال عند الوضع القانوني، إذ انقطعت مسارات دراسية ومهنية لعدد من المعتقلين خلال سنوات الاحتجاز.
ويقول سرية: “هناك أشخاص تركوا دراستهم، وآخرون انقطعوا عن أعمالهم بسبب الاعتقال، وقسم كبير منهم لم يعد إلى المدارس والمعاهد، كما أن قسماً كبيراً ممن كانوا يعملون لم يعودوا إلى وظائفهم”.
وفي المقابل، يشير سرية إلى أن الرابطة تقدم للناجين والناجيات، إلى جانب الدعم النفسي والإحالات الطبية، برامج تدريب مهني تهدف إلى مساعدتهم على دخول سوق العمل مجدداً.
ويوضح أن الرابطة تحاول مساعدة من كانت لديه مهنة على استعادتها والبدء بمساره المهني من جديد، من خلال دورات تدريبية يحصل المشاركون فيها على شهادات يمكن أن تساعدهم في البحث عن فرص عمل.
رد الاعتبار وجبر الضرر
ويرى سرية أن معالجة الوضع القانوني للمعتقلين السابقين تمثل أحد أبرز المطالب، ويضع الاعتراف بما تعرضوا له ضمن الخطوات الأساسية لجبر الضرر.
ويقول: “أبرز مطالبنا لجبر ضرر المعتقلين أولاً هو الاعتراف. هناك أمر مؤلم جداً، وهو أن هؤلاء الأشخاص ما زالوا قانونياً يُعاملون على أساس أن عليهم قضايا إرهاب، ويُطلب من بعضهم الذهاب لإجراءات رد الاعتبار، فيما طُلب من آخرين إجراء تسويات”.
ويعتبر سرية أن رد الاعتبار يمثل أحد أشكال جبر الضرر، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى تعدد احتياجات المعتقلين السابقين. فبينما يطالب بعضهم بأولوية في التوظيف، يركز آخرون على العلاج أو الدعم المادي، ويدعون الحكومة إلى تحمل مسؤولية أكبر تجاه هذا الملف، إلى جانب دور وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية والعمل والمنظمات.
ويقول: “رد الاعتبار هو أحد أنواع جبر الضرر، لكنه أيضاً اعتراف بمعاناة هؤلاء الناس، واعتراف بأنهم تعرضوا للتعذيب والمعاناة في السجون، وأن لهم حقاً في الحصول على المساعدة، سواء كانت طبية أو إغاثية أو غير ذلك من الحكومة، وليس فقط من المنظمات”.
حياة جديدة بعد سنوات الاعتقال
بالنسبة إلى عبدو الشيخ، لم تكن العودة إلى العمل وحدها كافية لاستعادة حياته السابقة.
ويقول إن لقاء أصدقائه وأهالي المعتقلين الذين كانوا معه، إلى جانب مبادرات بعض الأشخاص لتقديم المساعدة، كان له أثر معنوي كبير بعد سنوات من العزلة.
ويضيف: “هناك أشخاص عرضوا عليّ المساعدة، وأحياناً مجرد أن يقول لك شخص: هل تحتاج إلى شيء؟ تكون هذه الكلمة بالنسبة إليك تساوي الدنيا”.
وبينما تمكن الشيخ من العودة إلى مهنته تدريجياً، لا يبدو هذا المسار متاحاً لجميع المعتقلين السابقين، وفق سرية، الذي يشير إلى تحديات إضافية تواجه كبار السن.
ويقول إن المعتقل الشاب قد يتمكن، ولو تدريجياً، من العودة إلى العمل وتأمين معيشته، بينما يواجه كبار السن، ومن بينهم آباء وأمهات، صعوبات أكبر في العودة إلى سوق العمل وتأمين احتياجاتهم.
وبينما خرج المعتقلون من أبواب صيدنايا في كانون الأول/ديسمبر 2024، تشير تجارب عدد منهم إلى أن الإفراج لم ينهِ آثار سنوات الاعتقال، بل فتح مرحلة جديدة تتداخل فيها الاحتياجات الصحية والقانونية والمادية والمهنية.
وبالنسبة إلى المعتقلين السابقين، لا يرتبط تجاوز هذه المرحلة بالعلاج أو العودة إلى العمل فقط، وإنما أيضاً بتسوية الأوضاع القانونية، واستعادة المسارات التعليمية والمهنية، وتوفير برامج دعم تساعدهم على استعادة حياتهم والاندماج مجدداً في المجتمع.