أعلن الصحفي والناقد الفني وسام كنعان استقالته من مهمته مستشاراً إعلامياً لنقابة الفنانين السوريين، وقدم اعتذاراً إلى الشعب السوري، بالتزامن مع إعلان نقيب الفنانين مازن الناطور فتح تحقيق في معلومات واتهامات أثيرت بشأن مواقف كنعان وكتاباته خلال سنوات الثورة.
وقال كنعان في تسجيل مصور إن استقالته جاءت “درءاً للفتنة”، بعد حملة انتقادات أعقبت تكليفه بالمهمة وأعادت إلى الواجهة عمله السابق في وسائل إعلام سورية ولبنانية، ولا سيما صحيفة “الأخبار” اللبنانية.
وفي المقابل، دافع كنعان عن مسيرته، وقال إنه شارك في اعتصام المثقفين بدمشق، وتعرض للمضايقة والسجن أكثر من مرة في عهد نظام بشار الأسد، فضلاً عن اختطافه في منطقة سلحب.
وأضاف أن نشاطه الصحفي تركز في الفن والنقد الفني، وهي رواية دفع انتشار مقالات قديمة تحمل اسمه منتقديه إلى المطالبة بمراجعة أرشيفه كاملاً، وليس الاكتفاء بطبيعة القسم الذي كان يعمل فيه.
الناطور.. من الدفاع إلى التحقيق
وكان الناطور قد دافع بداية عن كنعان، قائلاً إنه تعرض “للإرهاب والتخويف” والخطف على يد النظام السابق، وإن فدية دُفعت مقابل إطلاق سراحه.
كما قال إن كنعان “لم يكن يوماً إلا مع وطنه وشعبه وشرف مهنته”، ووصف الحملة عليه وعلى النقابة بأنها “هجوم بربري”.
غير أن موقف الناطور أثار انتقادات إضافية، خصوصاً بسبب اللغة التي استخدمها بحق المعترضين، الذين قالوا إن اعتراضهم يتعلق بسجل كنعان المنشور وليس بحياته الشخصية.
وبعد ذلك، أعلن الناطور فتح تحقيق للتحقق من المعلومات المتداولة، وقال إنه مستعد للتراجع عن التكليف والاعتذار إذا ثبتت وقائع لم تكن معروفة له عند اتخاذ القرار.
من العمل في “الأخبار” إلى مضمون المقالات
وبدأت الاعتراضات أساساً من عمل كنعان في صحيفة “الأخبار” اللبنانية، المعروفة بخطها السياسي المؤيد لـ”حزب الله”، الذي تدخل عسكرياً إلى جانب قوات الأسد خلال الحرب السورية.
لكن الجدل سرعان ما تجاوز مكان العمل إلى سؤال أكثر مباشرة: ماذا كتب كنعان نفسه؟
فقد أعاد ناشطون وفنانون نشر مقالات قديمة تحمل اسمه، معتبرين أن بعضها استخدم لغة قريبة من خطاب النظام وحلفائه تجاه المعارضة والمناطق الخارجة عن سيطرته.
إيمان الجابر توجه اتهامات مباشرة
وكانت الفنانة إيمان الجابر من أبرز منتقديه، وقالت إنها عملت هي الأخرى في “الأخبار” قبل أن تغادر الصحيفة مع بداية الثورة، واتهمت كنعان بتهديدها في حال عودتها إلى سوريا.
كما اتهمته بتوثيق أسماء المشاركين في مظاهرة للمثقفين ونشرها في الصحيفة، وذهبت إلى القول إن ذلك أسهم في وصول أسمائهم إلى أجهزة مخابرات النظام.
وأضافت أنها تعتزم رفع دعوى تتعلق بالتهديد وتوثيق اسمها..
وتظهر مواد منشورة أن كنعان كتب بالفعل عن تحرك المثقفين وأورد أسماء مشاركين ومعتقلين. إلا أن نشر الأسماء في مادة صحفية لا يثبت، في حد ذاته، أنها نُقلت إلى أجهزة المخابرات عن طريقه.
المشكلة في السجل المهني
من جهته، ركز الناشط تامر تركماني على المسار المهني لكنعان، مشيراً إلى عمله في صحيفة “بلدنا” السورية، المرتبطة بعائلة المسؤول الأمني السابق بهجت سليمان، قبل انتقاله إلى “الأخبار”.
كما انتقد تركماني دفاع الناطور عن كنعان، وقال إن السجل السابق للأشخاص ينبغي أن يخضع للمراجعة قبل إسناد مواقع عامة إليهم.
وبالمثل، اعترضت هويدا محي الدين على اختيار كنعان بسبب عمله في “الأخبار”، وربطت موقفها بدعم الصحيفة السياسي لـ”حزب الله” ودور الحزب العسكري إلى جانب نظام الأسد.
ياسين أبو رائد يثير قضية تعديل مقال
وفي تطور آخر، قال الناشط ياسين أبو رائد إنه راجع عدداً من مقالات كنعان ووثق نسخاً منها قبل وبعد تعديلات قال إنها طرأت على إحداها.
واتهم أبو رائد كنعان بتعديل مقال في موقع “الأخبار” بعد إعادة تداوله، وقال إن النص الأصلي تضمن وصفاً يتعلق بـ”إرهاب” مناطق في شمال سوريا.
وأضاف أنه احتفظ بصور للمقال قبل التعديل وبعده، معتبراً أن ظهور المادة كان أحد أسباب الاستقالة.
ماذا تكشف المقالات المنشورة؟
وتظهر مراجعة أرشيف “الأخبار” أن كنعان تخصص بدرجة كبيرة في الفن والدراما والإعلام، لكنه لم يقتصر على النقد الفني، إذ كتب أيضاً عن الثورة والحرب والمعارضة والفصائل المسلحة.
وفي كانون الثاني/ يناير 2013، نشر تقريراً بعنوان “أهوال الثورة في إدلب… جبهة النصرة تحجّب الصحافة”، تناول فيه ممارسات “جبهة النصرة” تجاه صحفيين في سراقب والقيود التي فرضتها على العمل الإعلامي.
وفي مقال نشر عام 2015 بعنوان “قبر مفتوح وأعلام سوداء”، تحدث عن انتشار “الأعلام السوداء والشعارات التكفيرية” في سوريا وانتقد شخصيات معارضة.
واعتبر منتقدوه هذه المواد، إلى جانب مقالات أخرى، دليلاً على استخدامه في مراحل من الحرب لغة تقترب من سردية النظام السابق وحلفائه تجاه خصومه.
مدافعون.. وبعضهم أعاد النظر
في المقابل، انتقدت الفنانة كندا جبور ما وصفته بازدواجية المعايير، مشيرة إلى أن بعض منتقدي كنعان عملوا أيضاً ضمن بيئات إعلامية مشابهة.
كما اعتبرت أن “محاكم السوشال ميديا” تختزل مسارات السوريين خلال سنوات الحرب، ودعت إلى تطبيق معيار واحد عند تقييم الجميع.
ودافع نضال محمد مختار عبيد عن كنعان، قائلاً إنه “ليس بحاجة لبراءة ذمة”، وإن تاريخه ومقالاته تشهد له.
لكن الفنان سامر كحلاوي، الذي دافع عنه في البداية، قال لاحقاً إن مواد ظهرت لم يكن يعرفها.
وأوضح كحلاوي أن المقالات التي سبق أن قرأها لكنعان كانت، بحسب تقييمه، “لصالح الثورة”، قبل أن يضيف أن ظهور مقالات أخرى غيّر المعطيات بالنسبة إليه، ودعا كنعان إلى مصارحة السوريين بشأن سجله كاملاً “من دون مواربة”.
وجاءت استقالة كنعان بعد أيام من الجدل الذي أعقب تكليفه مستشاراً إعلامياً لنقابة الفنانين، وإعادة تداول مقالات ومواقف سابقة له، إلى جانب اتهامات وجهها ناشطون وفنانون وردود دافعت عنه.
وقال كنعان إن استقالته جاءت “درءاً للفتنة”، فيما أعلن الناطور، بعد دفاعه عنه في البداية، فتح تحقيق للتحقق من المعلومات والمواد التي أثيرت بشأنه، مؤكداً استعداده للتراجع عن قرار التكليف والاعتذار في حال ثبوت معلومات لم تكن معروفة للنقابة.