سوسن التي انتظرت وحيدها أحمد أربعة عشر عاماً تركع أمام شقيقتها ليلى. أما ليلى فتنتظر منذ فجر الثلاثاء خبراً عن ابنها الشاب رائد مرعي أحد بحارة السفينة ألفا وطن.
وبينما تبعد ليلى شبح الغرق عن أحاديثها تارة فإنها تستسلم لنوبات البكاء تارة أخرى. في المقابل تقبّل سوسن يد أختها وتقول الله لا يذوقك هالكاس. ثم تواسي نفسها قبل أن تواسي أختها إذا هو بخير الله بيردلك ياه وإذا غير هيك ما طالع بإيدنا شي يا أختي.
هناك بينهما تجلس والدتهما وتشاهد قطعتين من قلبها تتفطران. هذا هو المشهد الذي تنقله الزميلة الصحفية ياسمين المرعي خالة الشاب المفقود رائد مرعي.
وتضيف ياسمين أنها توزع النظر بينهما وبين أمها وهي تشاهد أمامها قطعتين من قلبها تتفطران حزناً وتدعو أن يرضيهم الله بقضائه ويفرغ عليهم صبراً.
وبعد ثلاثة أيام من الانتظار نشرت ياسمين المرعي نعوتها الأولى لابن أختها وكتبت ننعي يا رائد ننعي يا حبيبي ننعي يا أمي ننعي يا متربى يا حنين الله معك يا حبيبي النعوة اليوم
استهداف في البحر الأسود
وفي فجر الثلاثاء السادس من تشرين الأول الجاري تعرضت سفينة الشحن التجارية ألفا وطن لهجوم واستهداف مباشر في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية بلغاريا في البحر الأسود.
وكان على متنها عشرة بحارة تسعة سوريين بينهم رائد مرعي وبحار مصري واحد. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير لا يزال مصيرهم مجهولاً.
تحرك رسمي
إزاء ذلك أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية متابعتها الحثيثة للحادثة.
وقال مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة مازن علوش لسوريا بلس إن الهيئة تدين هذا الاعتداء الذي يهدد سلامة الملاحة الدولية. وأضاف أن الهيئة وجهت مذكرات رسمية عاجلة إلى المنظمة البحرية الدولية والسلطات البحرية المختصة في بلغاريا.
وتضمنت المذكرات المطالبة بإجراء تحقيق مستقل وشفاف لتحديد ملابسات الحادث والجهة المسؤولة.
كما طالبت بتوضيح أسباب وقف عمليات البحث والإنقاذ. وطالبت أيضاً ببيان الإجراءات الممكنة لفحص حطام السفينة تحت الماء.
وشددت على ضرورة عدم إغلاق الملف قبل استنفاد كل وسائل التحقق من مصير الطاقم وضمان حقوق ذويهم
فراغ دولي ونص سوري
وفي الوقت نفسه تكشف هذه الحادثة عن إشكال قانوني يتعلق بوضع المفقودين في البحر.
وقال المهندس البحري محمد حجوز عضو مجلس إدارة نقابة البحارة لسوريا بلس إن اتفاقية العمل البحري لا تضع آلية إلزامية واضحة للتعامل مع البحارة المفقودين بعد غرق السفن.
وأوضح حجوز أنه طرح هذه المسألة العام الماضي أمام رئيسة الوحدة البحرية في منظمة العمل الدولية.
حيث أشار إلى أنه حصل على تقرير حادثة مشابهة من السلطات اليونانية ولم يُغلق التقرير ولم يُعلن فيه عن وفاة البحار. وبحسب حجوز فإن المسؤولة الأممية اكتفت بتسجيل الملاحظة.
ويترتب على هذا الفراغ الدولي أن عائلة رائد مرعي ومعها تسع عائلات أخرى تجد نفسها في منطقة رمادية.
فعلى الرغم من أن الاتفاقية تفرض على ملاك السفن تأميناً مالياً يغطي الوفاة إلا أنها تشترط وجود جثة أو إعلان وفاة رسمي.
بينما تختلف القوانين الوطنية حول مدة انتظار هذا الإعلان وقد تصل لسنوات. ونتيجة لذلك لا تحصل العائلات على شهادة وفاة ولا على معاش تقاعدي وتُجمد معاملات الميراث.
وفي هذا السياق ينص القانون السوري بحسب المادة 41 من قانون الأحوال المدنية السوري رقم 13 لعام 2021 على أنه في حال غرقت باخرة أو سقطت طائرة وفُقد قسم من الركاب أو الطاقم ولم يعد ممكناً تنظيم معاملة الوفاة المنصوص عليها في المادة السابقة يتخذ الوزير بعد ثلاثة أشهر من تاريخ الفقدان قراراً بفقدان الأشخاص الذين كانوا فيها مع ذكر أسمائهم.
وبعد ذلك يستطيع رئيس المركز أو أي شخص ذي علاقة أن يحصل من المحكمة المختصة في مكان قيد المفقود على قرار بحصول الوفاة.
وترسل صورة عن هذا القرار إلى أي مركز ليتم تسجيلها لديه ويشار بمفادها على هذا القيد.
وتسري هذه الأحكام على الغير ممن يحق لهم أن يطلبوا تصحيحها وفق الأصول المنصوص عليها في هذا القانون.
إلا أن تطبيق هذا النص يبقى مرتبطاً باستكمال التحقيقات الدولية وعدم إغلاق الملف في بلغاريا.
كما أن تعديلات اتفاقية العمل البحري لعام 2022 التي طالبت بتسجيل الوفيات تبقى إجراء إحصائياً لا يفتح ملفاً حقوقياً بحد ذاته.