خاص – نورهان الكردي
يرتبط احتمال انضمام سوريا إلى “حلف مكة” للدفاع المشترك، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، باستكمال ترتيبات داخلية تتعلق بإعادة بناء الجيش وتوحيد المؤسسة العسكرية، في وقت يستبعد فيه خبراء مشاركة قوات سورية في عمليات خارج الحدود خلال المرحلة الحالية، رغم ما قد يوفره التحالف من فرص لتطوير القدرات الدفاعية وتعزيز موقع دمشق الإقليمي.
وتفتح النقاشات الجارية بشأن انضمام سوريا إلى التحالف تساؤلات تتجاوز المكاسب العسكرية والسياسية المتوقعة، لتشمل طبيعة الالتزامات الدفاعية التي قد تتحملها دمشق، ومدى قدرتها على التوفيق بين أولوياتها الأمنية الداخلية ومتطلبات الدفاع المشترك، خصوصاً في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري والتوترات الإقليمية المتصاعدة.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني قد أعلن، خلال مشاركته في منتدى حوار المنامة بالبحرين في 31 تشرين الأول، وجود نقاشات لتقييم إمكانية انضمام سوريا إلى التحالف، مؤكداً أن أمن الخليج العربي جزء من الأمن الإقليمي السوري، وأن المنطقة بحاجة إلى تطوير منظومات مشتركة للدفاع والردع.
اتفاقية دفاع مشترك.. ماذا تعني لسوريا؟
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 آب 2026، ونصت على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث هجوماً على جميع الأطراف، بهدف تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي.
وبحسب ما أعلنته وزارة الدفاع التركية في 13 آب الماضي، تشمل الترتيبات إنشاء آليات تنسيق سياسي وعسكري على مستوى وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان، إلى جانب إجراء تدريبات برية وبحرية وجوية مشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات الدفاعية والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
كما أشارت أنقرة إلى إمكانية توسيع الاتفاقية لتشمل دولاً أخرى، دون أن تعلن الدول المؤسسة حتى الآن تفاصيل شروط انضمام سوريا أو الالتزامات المحددة التي قد تترتب على عضويتها.
وبذلك، فإن دخول دمشق إلى التحالف، في حال إقراره، قد يفتح المجال أمام تعاون عسكري مؤسسي يتجاوز صفقات التسليح التقليدية، ليشمل التدريب وتبادل الخبرات والتطوير التقني، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن آليات تفعيل الدفاع المشترك وحدود المشاركة العسكرية.
أنقرة تنظر بإيجابية إلى انضمام دمشق
يرى الصحفي والكاتب التركي حمزة تكين أن تركيا تنظر بإيجابية كبيرة إلى احتمال انضمام سوريا إلى “حلف مكة”، باعتباره خطوة استراتيجية تعزز أمن المنطقة ومصالح الدول المشاركة.
ويقول تكين لـ”سوريا بلس”: “تمثل سوريا عمقاً جغرافياً وأمنياً لتركيا، وانضمامها إلى هذا التحالف سيعزز الربط الاستراتيجي بين تركيا ودول الخليج، ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون العسكري والاقتصادي والأمني”.
ويضيف أن أنقرة تؤمن بضرورة امتلاك دول المنطقة منظومة دفاعية مشتركة تحمي أمنها وسيادتها، بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية، معتبراً أن استقرار سوريا وتعزيز قدراتها العسكرية يصبان مباشرة في مصلحة الأمن القومي التركي.
وبحسب تكين، فإن انضمام دمشق قد يدفع الشراكة السورية التركية إلى مستويات أوسع، ولا سيما في مجالات التدريب العسكري والصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية الحدود.
إعادة بناء الجيش.. شرط أساسي قبل الانضمام
في المقابل، يربط الخبير الأمني العميد منير الحريري إمكانية انضمام سوريا إلى التحالف باستكمال ترتيبات عسكرية وأمنية داخلية، في مقدمتها إعادة بناء الجيش وتوحيد التشكيلات المسلحة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
ويقول الحريري لـ”سوريا بلس” إن “حلف مكة حلف دفاعي وليس هجومياً”، مشيراً إلى أن الدول المؤسسة تمتلك إمكانات متكاملة يمكن توظيفها ضمن منظومة ردع مشتركة.
ويوضح أن السعودية تتمتع بقدرات اقتصادية كبيرة، فيما تمتلك تركيا جيشاً واسعاً وصناعات دفاعية متقدمة، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، بينما تتمتع باكستان بقدرات نووية واستخباراتية.
أما سوريا، فيرى الحريري أن موقعها الجغرافي وخبراتها العسكرية يمثلان عاملين مهمين في أي ترتيبات دفاعية إقليمية، ولا سيما الخبرات المكتسبة خلال سنوات الحرب في مجالات حرب المدن والعمليات غير النظامية وأنماط القتال المختلفة.
لكنه يؤكد أن الاستفادة من هذه المقومات تتطلب استكمال إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني.
ويشير إلى إحراز تقدم في توحيد الفصائل العسكرية، معتبراً أن هذه الخطوات تمهد لإعادة بناء الجيش، إلى جانب جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات.
ويضيف أن انضمام سوريا يحتاج إلى وقت لاستكمال الترتيبات اللازمة، خصوصاً أن الأولوية الحالية تتمثل في تعزيز الاستقرار الداخلي واستعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سلطة الدولة.
هل تُلزم الاتفاقية سوريا بإرسال قوات إلى الخارج؟
تُعد طبيعة الالتزامات العسكرية من أبرز القضايا التي يثيرها احتمال انضمام دمشق إلى التحالف، ولا سيما أن اتفاقية مكة تقوم على مبدأ اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الأعضاء هجوماً على جميعها.
ورغم أن هذا المبدأ يؤسس للدفاع المشترك، فإن المعلومات المنشورة عن الاتفاقية لا توضح بصورة كافية ما إذا كانت الاستجابة العسكرية تستوجب إرسال قوات برية، أو تتيح الاكتفاء بالمساعدة الاستخباراتية واللوجستية والتقنية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء تقارير سابقة تحدثت عن احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن، وهي معلومات نفتها الرئاسة السورية.
وفي هذا السياق، يستبعد تكين مشاركة سوريا في مواجهات عسكرية خارج حدودها خلال المرحلة الحالية.
ويقول: “لا أعتقد أن من مصلحة سوريا الدخول في أي مواجهة عسكرية خارج حدودها أو إرسال قوات برية إلى أي مكان، خصوصاً في هذه المرحلة”.
ويضيف: “يجب التمييز بين الالتزام بالدفاع المشترك والمشاركة التلقائية في العمليات العسكرية الخارجية، إذ يمكن أن تكون المساعدة استخباراتية أو لوجستية أو تقنية، دون إرسال قوات”.
ويتفق الحريري مع هذا التقدير، موضحاً أن دمشق تركز حالياً على إعادة بناء جيشها وبسط سيطرتها على أراضيها، ما يجعل إرسال قوات إلى الخارج أمراً غير متوقع في الوقت الراهن.
ويشير إلى أن اتخاذ قرار من هذا النوع يحتاج إلى موافقات وترتيبات داخل مؤسسات الدولة المعنية.
وكان مسؤولون أتراك قد أوضحوا أن الدعم العسكري المحتمل للسعودية في إطار الاتفاقية لا يعني إرسال قوات تركية للقتال في اليمن، ما يبرز أهمية التمييز بين الالتزام بالدفاع المشترك وطبيعة المساهمة التي يمكن أن يقدمها كل طرف.
ومع ذلك، فإن تحديد الالتزامات التي ستترتب على سوريا يبقى مرهوناً بشروط العضوية والنصوص التنفيذية للاتفاقية، وهي تفاصيل لم تُعلن بصورة كاملة.
إسرائيل وإيران.. كيف تتأثر التوازنات الإقليمية؟
لا تقتصر انعكاسات الانضمام المحتمل على التعاون العسكري بين دمشق والدول الثلاث، بل تمتد إلى حسابات النفوذ والردع في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بإسرائيل وإيران.
ويرى تكين أن طهران قد تنظر بقلق إلى تعزيز الشراكة الدفاعية بين سوريا وتركيا والسعودية وباكستان، باعتبارها تحولاً محتملاً في التوازنات الإقليمية.
أما إسرائيل، فيعتقد أنها قد تتعامل بحساسية مع انضمام دمشق إلى منظومة دفاعية تضم هذه الدول، خصوصاً إذا أسهم التعاون في تطوير قدرات الجيش السوري وتعزيز إمكاناته الدفاعية.
ويضيف أن امتلاك سوريا قدرات دفاعية أكبر قد يرفع كلفة الاعتداءات الإسرائيلية ويمنح دمشق هامشاً أوسع لحماية سيادتها.
من جانبه، يعتبر الحريري أن خسارة إيران لنفوذها السابق في سوريا أثرت في امتدادها الإقليمي، فيما يشير إلى استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتجاوز خطوط فض الاشتباك المحددة بموجب اتفاق عام 1974.
ويشدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق أمني يقوم على مبدأ عدم الاعتداء، مع ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً لدفع إسرائيل إلى العودة إلى خطوط فض الاشتباك.
لكن انضمام سوريا إلى التحالف، في حال حدوثه، لا يعني بالضرورة توفير ضمانة عسكرية تلقائية في مواجهة إسرائيل، إذ تبقى طبيعة التهديدات المشمولة بالدفاع المشترك وآليات الاستجابة لها بحاجة إلى توضيح.
وفي المقابل، لا تشير التحركات الدبلوماسية للدول المؤسسة إلى أن الاتفاقية موجهة حصراً ضد إيران؛ إذ شهدت الفترة الأخيرة اتصالات مع طهران لخفض التوترات الإقليمية، بالتوازي مع تطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
مكاسب محتملة.. ودور إقليمي جديد
يرى تكين أن انضمام سوريا إلى التحالف قد يتيح مكاسب عسكرية وسياسية واقتصادية، أبرزها الحصول على دعم تقني لإعادة بناء الجيش وتطوير قدراته الدفاعية.
ويقول إن التعاون مع الدول المؤسسة قد يفتح آفاقاً أوسع في مجالات التدريب والصناعات العسكرية وتبادل الخبرات، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
كما يعتبر أن العضوية المحتملة قد تمنح دمشق وزناً أكبر في الترتيبات الأمنية الإقليمية، وتساعدها على استعادة دورها في ملفات الأمن والاستقرار.
وتبرز أهمية هذه المكاسب في ظل حاجة سوريا إلى إعادة تأهيل مؤسساتها العسكرية وتطوير منظومات الدفاع الجوي والمراقبة وحماية الحدود، وهي مجالات تمتلك الدول الثلاث خبرات وإمكانات متفاوتة فيها.
غير أن الاستفادة من هذه القدرات لا تبدو تلقائية بمجرد الانضمام، إذ تتوقف على طبيعة الاتفاقات التنفيذية وحجم الدعم الذي يمكن أن تقدمه الدول الأعضاء، فضلاً عن جاهزية المؤسسات السورية لاستيعابه.
وبينما يرى مؤيدو الانضمام فرصة لتعزيز استقلالية القرار الدفاعي السوري وتوسيع الشراكات الإقليمية، تظل هناك تحديات تتعلق بقدرة دمشق على تحمل التزامات دفاعية مشتركة في مرحلة لا تزال فيها منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.
فهل تتمكن دمشق من تحويل الانضمام المحتمل إلى فرصة لإعادة بناء قدراتها الدفاعية وتعزيز موقعها الإقليمي، دون الانخراط في مواجهات عسكرية تتجاوز أولوياتها الداخلية؟