دخلت محافظة الحسكة مرحلة مفصلية جديدة، مع تسارع التطورات الميدانية والسياسية في وقت واحد، وسط توسع انتشار الجيش السوري وتراجع واضح لقوات “قسد”، بالتوازي مع تفاهمات وصفها المراقبون بالحساسة والحاسمة لإعادة رسم المشهد الأمني والإداري في المحافظة. وبدأ الجيش بتوسيع حضوره في الريف الشرقي، حيث دخل مدينة تل حميس وأثبت سيطرته على محور استراتيجي قرب القامشلي والطرق المؤدية إلى الحدود العراقية، بينما تقدمت وحداته نحو محيط جبل عبد العزيز وتل تمر، ما عزز من نفوذ الجيش في الريف الجنوبي الغربي وضم قرى أبيض ومخروم وقصيبة وأم مدفع وأبو فاس إلى دائرة سيطرته المباشرة. وفي المقابل، لا تزال تل براك تشهد وجود جيوب محدودة لقوات “قسد”، بينما تُعد تل معروف جنوب شرق القامشلي آخر نقطة انتشار شرقية لهم، في حين سيطر الريف الجنوبي للقامشلي بالكامل على يد العشائر العربية.
ومع هذه التحولات، سجلت المحافظة انسحابات متتالية لقوات “قسد”، كان أبرزها من مدينة الهول، حيث تقدمت العشائر العربية وسيطرت على المدينة، فيما تسلمت إدارة مختصة ملف مخيم الهول أمنيًا وإداريًا بالتعاون مع الجيش بعد انسحاب قوات “قسد” من حراسته. وفي الريف الشمالي، سيطرت العشائر العربية على تل براك، فيما انسحبت “قسد” من بلدة جزعة نحو اليعربية، التي جرى تسليمها لاحقًا لقوات الصناديد، بينما شهد ريف القامشلي حالات انسحاب وهروب لعناصر مسلحة من مواقع عدة، بما في ذلك حاجز البترول في قرية خويتلة، ما يعكس تراجع الانتشار العسكري لتلك المجموعات.
وصلت وحدات الجيش إلى مشارف مدينة الحسكة دون دخول مركزها، التزامًا بالتفاهمات المعلنة، مع تثبيت نقاط عسكرية وأمنية على الأطراف، في حين أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار في جميع قطاعات عمليات الجيش لمدة أربعة أيام، اعتبارًا من الساعة الثامنة مساءً، تمهيدًا لتنفيذ الاتفاقات السياسية والأمنية.
ورغم هذه المكاسب الميدانية، يظل الوضع الإنساني هشًا في بعض مناطق المدينة والريف، حيث تتعرض أحياء غويران والنشوة في مدينة الحسكة لحصار فعلي تفرضه ميليشيا “جوانن شورشكر”، يمنع وصول المياه والمواد الغذائية ويصعب تأمين الاحتياجات الأساسية، بينما يواجه السكان تهديدات مباشرة بالسلاح، إضافة إلى حملات تحريض وشعارات ترهيبية تهدف لدفعهم إلى مغادرة منازلهم.
على الصعيد السياسي، أعلنت وزارة الدفاع السورية إيقاف إطلاق النار في جميع قطاعات الجيش لمدة أربعة أيام، التزامًا بالتفاهمات مع “قسد” وتهيئة الظروف لتنفيذ الاتفاقات السياسية والأمنية. وأصدر رئيس الجمهورية بيانًا أعلن فيه التوصل إلى تفاهم مشترك حول مستقبل المحافظة، يشمل آليات الدمج الإداري والعسكري، ومنح “قسد” مهلة أربعة أيام لوضع خطة تفصيلية للتنفيذ. ونص البيان على عدم دخول القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي والبقاء على أطرافهما، مع تعهد بعدم دخول القرى الكردية وحصر التواجد المسلح فيها بقوات أمن محلية، إضافة إلى دمج جميع القوى العسكرية والأمنية التابعة لـ“قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية ودمج المؤسسات المدنية في هيكل الدولة. كما شمل الاتفاق تنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان الحقوق اللغوية والثقافية والمواطنة للكرد، وطرح مظلوم عبدي أسماء مرشحين لمناصب مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، بالإضافة إلى ممثلين في مجلس الشعب وقوائم توظيف في مؤسسات الدولة.
ترافقت هذه التفاهمات مع مواقف أمريكية، حيث اعتبر المبعوث الأمريكي توم باراك أن المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع تمثل فرصة للكرد لنيل حقوق المواطنة والحماية الثقافية، مؤكدًا أن الوجود الأمريكي كان مرتبطًا بمكافحة تنظيم “داعش” ولم يعد مبررًا مع وجود حكومة مركزية في دمشق، وأن واشنطن تعمل على تسهيل تسليم الملفات الأمنية والاقتصادية، بما في ذلك حقول النفط والسدود والمعابر والسجون ومخيمات التنظيم، مع التأكيد على رفض أي مشاريع انفصال أو فيدرالية ودعم وحدة سوريا، محذرًا من أن فشل مسار الاندماج قد يؤدي إلى عودة عدم الاستقرار أو تنشيط الجماعات المتطرفة.
وأكدت مصادر من مدينة الحسكة أنه ورغم التقدم الميداني والسياسي، يبقى التحدي الأكبر مرتبطًا بوجود حزب العمال الكردستاني في بعض مناطق الحسكة، وهو ما قد يشكل عقبة أمام استكمال التسوية، إلى جانب الوضع الإنساني والأمني في الأحياء المحاصرة الذي يمثل اختبارًا لقدرة الدولة على فرض سلطة القانون وحماية المدنيين، بما يعكس مدى مصداقية الاتفاقات المعلنة.
يبدو أن محافظة الحسكة تخطو نحو مرحلة انتقالية حاسمة تجمع بين تثبيت النفوذ العسكري للجيش السوري، وتعزيز سيطرة العشائر العربية، واستكمال آليات الدمج السياسي والإداري.
وإذا نجحت هذه التفاهمات، فإنها ستفتح الطريق أمام استقرار نسبي وإعادة الخدمات الأساسية للسكان، بينما أي إخفاق أو تعثر قد يعيد المنطقة إلى حلقة تصعيد جديدة تشمل مواجهة مسلحة واضطرابات أمنية واسعة.