أكد نقيب المحامين في الرقة محمد صالح النجم، في حديث لمنصة سوريا 24، أن ما جرى للأطفال المحتجزين داخل السجن على يد قوات قسد يمثل خرقاً فاضحاً للقوانين المحلية والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الطفل.
وأوضح النجم أن التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية التي خرجت إلى العلن في كانون الثاني 2026، بعد سيطرة الجيش السوري على السجن، وثّقت سلسلة انتهاكات بحق 126 قاصراً تم الإفراج عنهم لاحقاً.
وتوزعت هذه الانتهاكات بين التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، والانتهاكات القانونية والقضائية.
وبحسب شهادات الأطفال، شمل التعذيب الصعق بالكهرباء كوسيلة للترهيب وانتزاع الاعترافات، والضرب المبرح باستخدام العصي و”الكرابيج”، إضافة إلى الحبس الانفرادي في زنازين ضيقة لفترات طويلة، والإهانات اللفظية المتكررة التي استهدفت كرامتهم الإنسانية.
كما أشار النجم إلى ممارسات التجويع المنهجي، وتقديم طعام فاسد وبكميات ضئيلة، إلى جانب الإهمال الطبي، ما أدى إلى ظهور علامات سوء تغذية واضحة على الأطفال عند خروجهم من السجن.
اعتقال تعسفي وأحكام قاسية
وعلى الصعيد القانوني، أكد نقيب المحامين أن غالبية حالات الاحتجاز كانت تعسفية، حيث جرى توقيف أطفال دون سن الـ18 بتهم فضفاضة وغير مثبتة، مثل “تصوير مواقع عسكرية” أو “تسريب معلومات” أو الاشتباه بالانتماء إلى تنظيم “داعش”.
ولفت إلى توثيق أحكام قاسية بحق قاصرين، بينها الحكم بالسجن سبع سنوات بحق طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، إضافة إلى غياب الضمانات القانونية، وعدم إخضاع المحتجزين لمحاكمات عادلة، وحرمان ذويهم من معرفة أماكن احتجازهم.
ووصف حقوقيون سجن الأقطان بأنه “صيدنايا الصغير”، في إشارة إلى تشابه أساليب التعذيب وارتفاع وتيرة الانتهاكات، معتبرين أن احتجاز القاصرين بهذه الصورة يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، وتجاوز صارخ للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة.
صدمة مجتمعية ودعوات للمحاسبة
من جانبه، قال الدكتور محمد الحاج علي، رئيس الشبكة السورية البريطانية في حديث لمنصة سوريا 24، إن مشهد تحرير الأطفال من سجن الأقطان شكّل صدمة كبيرة في الوجدان السوري، ولا سيما مع وجود قاصرين قضوا فترات وصلت إلى سبع سنوات خلف القضبان.
وأضاف أن الانتهاك الأكبر لم يكن فقط في أساليب الاحتجاز، بل في أصل اعتقال الأطفال دون أي سبب قانوني، واحتجازهم مع بالغين دون مراعاة لخصوصيتهم العمرية والإنسانية.
وأكد الحاج علي أن مسؤولية معالجة هذا الملف تقع على عاتق الحكومة السورية، التي أوفدت لجاناً من وزارة العدل لمراجعة هذه القضايا والبت بها سريعاً، رغم الصعوبات الناتجة عن غياب الوثائق والمستندات، بعد امتناع “قسد” عن تسليمها.
وشدد على ضرورة توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها في إطار العدالة الانتقالية، وتعويض الضحايا وجبر الضرر، داعياً مجلس الشعب القادم إلى سن تشريعات حازمة لحماية حقوق الإنسان، وحقوق الطفل والمرأة على وجه الخصوص.
وزارة العدل: فحص شامل وتصنيف قانوني
في ضوء هذه المعطيات، أعلنت وزارة العدل السورية بدء عملية فحص شاملة للملفات الشخصية والقضائية لجميع الموقوفين في سجن الأقطان، لضمان تطبيق القوانين وتعزيز سيادة القانون.
وذكرت الوزارة، في بيان رسمي، أن لجاناً قضائية مختصة تتابع ملفات المعتقلين بشكل مستمر، مع تصنيفها إلى ثلاثة أنواع: ملفات إرهابية مرتبطة بتنظيم “داعش”، وقضايا جنائية عادية، وقضايا تعسفية متعلقة بحرية الرأي تعود إلى فترة سيطرة “قسد”.
وأكدت أن كل ملف يُعالج بشكل فردي وفق طبيعته القانونية والإجراءات القضائية المعتمدة، مع عمل فرق متخصصة بمكافحة الإرهاب تحت إشراف قضائي مباشر لدراسة الملفات المصنفة إرهابية.
كما شددت على استقبال شكاوى وادعاءات المتضررين بشكل رسمي، لضمان حفظ الحقوق ومحاسبة الجناة، معتبرة أن الشفافية والعلنية في الإجراءات القضائية تشكلان أساساً لتعزيز الثقة بالقضاء.
زيارة رسمية وإفراج عن أطفال
وأمس الثلاثاء، أجرى وفد من وزارة العدل، بحضور النائب العام القاضي حسان التربة، زيارة تفقدية إلى سجن الأقطان، للاطلاع المباشر على أوضاع السجناء ومتابعة سير عمل اللجان القضائية.
وأكدت الوزارة أن الدولة ملتزمة بالتوازن بين حماية الحريات ومكافحة الجريمة، داعية المواطنين إلى التعاون وتقديم الادعاءات القانونية.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة العدل إطلاق سراح عدد من الأطفال الذين كانت “قسد” قد اعتقلتهم سابقاً وأودعتهم في السجن بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، رغم أن أعمارهم لا تتجاوز 16 عاماً.
واعتبرت الوزارة أن احتجاز هؤلاء القاصرين شكّل مخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية، مؤكدة أن الإفراج عنهم يندرج ضمن الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية، ويهدف إلى إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.
نحو ضمان عدم التكرار
ويرى حقوقيون أن نجاح هذه الخطوات مرهون بترسيخ آليات رقابة قضائية مستقلة، وتطوير تشريعات واضحة تحظر احتجاز الأطفال تحت أي ذريعة، إلى جانب تعزيز الشفافية والمساءلة.
وبينما تواصل لجان وزارة العدل عملها في سجن الأقطان، تبقى نتائج هذه المراجعة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على طي صفحة الانتهاكات، وبناء منظومة عدالة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.